هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · الصفحة الأصلية 438 / داخلي 422 من 879
»»
[صفحة 438]
و أجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي عن (1) إرادته، فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الايمان، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه، و يعرف له فضل ولايته، و يقف عند أمره و نهيه، و ادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه، و وعده على اتباع أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، و بعثه في بعض حوائجه، و فيما الحاجة له و صدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه، و اتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه، فإذا هو خلاف ما أمره، فقال العبد: اتكلت على تفويضك الأمر إلي، فاتبعت هواي و إرادتي، لأن المفوض إليه غير محظور عليه، لاستحالة اجتماع التفويض و التحظير» .
ثم قال (عليه السلام) : «فمن زعم أن الله فوض قبول أمره و نهيه إلى عباده، فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر، و أبطل أمر الله تعالى و نهيه» .
ثم قال: «إن الله خلق الخلق بقدرته، و ملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر و النهي، و قبل منهم اتباع أمره [و نهيه]، و رضي بذلك لهم، و نهاهم عن معصيته، و ذم من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد، و يأمر به، و ينهى عما يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنه العدل، و منه النصفة و الحكومة بالغ الحجة بالإعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه و آله) و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت و مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه و آله) لما قالوا: لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (2) يعنونهما بذلك، فهذا[هو]القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) :
تملكها من دون الله، أو مع الله؟فسكت عباية بن ربعي، فقال له: قل يا عباية. قال: و ما أقول؟قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، و إن قلت تملكها من دون الله قتلتك. قال: و ما أقول، يا أمير المؤمنين؟قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك (3) ، فإن ملككها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك، و المالك لما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلا بالله؟فقال:
الرجل: ما تأويلها، يا أمير المؤمنين؟قال: لا حول بنا عن (4) معاصي الله إلا بعصمة الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله. ثم قال: فوثب الرجل و قبل يديه و رجليه.