هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · الصفحة الأصلية 841 / داخلي 808 من 879
»»
[صفحة 841]
بابنا و تركت لأحدثنا سنا بابه!فأما ما ذكروه من حداثة سنه، فإن الله لم يستصغر يوشع بن نون حيث أمر موسى (عليه السلام) أن يعهد بالوصية إليه و هو في سن ابن سبع سنين، و لا استصغر يحيى و عيسى لما استودعهما عزائمه و براهين حكمته، و إنما فعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة الأمور، و أن وصيه لا يرجع بعده ضالا و لا كافرا.
و بأن عمد النبي (صلى الله عليه و آله) إلى سورة براءة فدفعها إلى من علم أن الامة تؤثره على وصيه، و أمره بقراءتها على أهل مكة، فلما ولى من بين يديه أتبعه بوصيه، و أمره بارتجاعها منه و النفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها، و قال: إن الله جل جلاله أوحى إلي أن لا يؤدي عني إلا رجل مني، دلالة منه على خيانة من علم أن الأمة اختارته على وصيه، ثم شفع ذلك بضم الرجل الذي ارتجع سورة براءة منه و من يؤازره في تقدم المحل عند الأمة إلى علم النفاق عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل و ولاهما عمرو حرس عسكره، و ختم أمرهما بأن ضمهما عند وفاته إلى مولاه أسامة بن زيد، و أمرهما بطاعته و التصريف بين أمره و نهيه، و كان آخر ما عهد به في أمر أمته، قوله:
أنفذوا جيش أسامة، يكرر ذلك على أسماعهم إيجابا للحجة عليهم في إيثار المنافقين على الصادقين.
و لو عددت كل ما كان من (1) رسول الله (صلى الله عليه و آله) في إظهار معايب المستولين على تراثه لطال، و إن السابق منهم إلى تقلد ما ليس له بأهل قام هاتفا على المنبر لعجزه عن القيام بأمر الأمة و مستقيلا مما تقلده لقصور معرفته عن تأويل ما كان يسأل عنه، و جهله بما يأتي و يذر، ثم أقام على ظلمة و لم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الأمر من بعده لغيره، فأتى التالي بتسفيه رأيه، و القدح و الطعن على أحكامه، و رفع السيف عمن كان صاحبه وضعه عليه، و رد النساء اللاتي كان سباهن إلى أزواجهن و بعضهن حوامل، و قوله: قد نهيته عن قتال أهل القبلة فقال لي: إنك لحدب (2) على أهل الكفر، و كان هو في ظلمه لهم أولى باسم الكفر منهم، و لم يزل يخطئه و يظهر الإزراء عليه و يقول على المنبر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه، و كان يقول قبل ذلك قولا ظاهرا: ليته حسنة من حسناته، و يود أنه كان شعرة في صدره، و غير ذلك من القول المتناقض المؤكد لحجج الدافعين لدين الإسلام.
و أتى من أمر الشورى و تأكيده بها عقد الظلم و الإلحاد و البغي و الفساد حتى تقرر على إرادته ما لم يخف على ذي لب موضع ضرره، و لم تطق الامة الصبر على ما أظهره الثالث من سوء الفعل، فعاجلته بالقتل، فاتسع بما جنوه من ذلك لمن وافقهم على ظلمهم و كفرهم و نفاقهم محاولة مثل ما أتوه من الاستيلاء على أمر الأمة.
كل ذلك لتتم النظرة التي أوجبها (3) الله تبارك و تعالى لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، و يحق القول على الكافرين، و يقترب الوعد الحق الذي بينه الله تعالى في كتابه بقوله: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (4) ، و ذلك إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه