هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · صفحة 467 من 979
صفحة
[صفحة 437]
أمرين. قيل: فما ذا، يا بن رسول الله؟فقال: صحة العقل، و تخلية السرب (1) ، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل منه مطرحا بحسبه، و أنا أضرب لك لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة، و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب، و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته، و يحقق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق» .
ثم قال (عليه السلام) : «فأما الجبر فهو[قول]من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي، و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله: وَ لاََ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (2) و قوله جل ذكره: ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ (3) مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عز و جل و ظلمه في عقوبته (4) ، و من ظلم ربه فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة، فالمثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، و لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق بحاجة يأتيه بها، و لا يملكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا، لا يطمع أحد (5) في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق و حاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن[و لا يملك العبد ثمنها]، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا، مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذب نفسه، أليس يجب أن لا يعاقبه؟و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة، تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا» .
ثم قال العالم (عليه السلام) بعد كلام طويل: «فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) ، و خطأ من دان به، فهو قول القائل: إن الله تعالى فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم، و هذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره و دقته إلا الأئمة المهدية (عليهم السلام) من عترة الرسول (صلوات الله عليهم) ، فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما رضا ما اختاروه و استوجبوا به الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب، إذا كان الإهمال واقعا، و تنصرف هذه المقالة على نوعين (6) ، إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل و تقدس عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي عن إرادته، ففوض أمره و نهيه إليهم،
____________
(1) السّرب: الطريق، يقال: خلّ له سربه، أي طريقه. و فلان مخلّى السّرب، أي موسّع عليه غير مضيّق. «أقرب الموارد 1: 508» .