البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · صفحة 836 من 912

صفحة
[صفحة 836]

وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ (1) .


و اعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين، و الكافر على الأبرار، فقد افترى إثما عظيما، إذ كان قد بين في كتابه الفرق بين المحق و المبطل، و الطاهر و النجس، و المؤمن و الكافر، و أنه لا يتلو النبي عند فقده إلا من حل محله صدقا و عدلا و طهارة و فضلا.


أما الأمانة التي ذكرتها فهي الأمانة التي لا تجب و لا يجوز أن تكون إلا في الأنبياء و أوصيائهم، لأن الله تبارك و تعالى ائتمنهم على خلقه و جعلهم حججا في أرضه، فبالسامري و من اجتمع معه و أعانه من الكفار على عبادة العجل عند غيبة موسى (عليه السلام) ما تم انتحال محل موسى (عليه السلام) من الطغام، و الاحتمال لتلك الأمانة التي لا تنبغي إلا لطاهر من الرجس، فاحتمل وزرها و وزر من سلك سبيله من الظالمين و أعوانهم، و لذلك قال النبي (صلى الله عليه و آله) : من استن سنة حق كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من استن سنة باطل كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة، و لهذا القول من النبي (صلى الله عليه و آله) شاهد من كتاب الله‏[و هو قول الله‏]عز و جل في قصة قابيل قاتل أخيه‏ مِنْ أَجْلِ ذََلِكَ كَتَبْنََا عَلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسََادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمََا قَتَلَ اَلنََّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيََاهََا فَكَأَنَّمََا أَحْيَا اَلنََّاسَ جَمِيعاً (2) ، و الإحياء في هذا الموضع تأويل في الباطن ليس كظاهره، و هو من هداها، لأن الهداية هي حياة الأبد، و من سماه الله حيا لم يمت أبدا، إنما ينقله من دار محنة إلى دار راحة و منحة.


و أما ما كان من الخطاب بالانفراد مرة و بالجمع مرة من صفة الباري جل ذكره، فإن الله تبارك و تعالى اسمه على ما وصف به نفسه بالانفراد و الوحدانية، هو النور الأزلي القديم، الذي ليس كمثله شي‏ء، لا يتغير، و يحكم ما يشاء، و يختار، و لا معقب لحكمه، و لا راد لقضائه، و لا ما خلق زاد في ملكه و عزه، و لا نقص منه ما لم يخلقه، و إنما أراد بالخلق إظهار قدرته، و إبداء سلطانه، و تبيين براهين حكمته، فخلق ما شاء كما شاء، و أجرى فعل بعض الأشياء على أيدي من اصطفى من امنائه، فكان فعلهم فعله، و أمرهم أمره، كما قال: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ (3) .


و جعل السماء و الأرض و وعاء لمن يشاء من خلقه، ليميز الخبيث من الطيب، مع سابق علمه بالفريقين من أهلها، و ليجعل ذلك مثالا لأوليائه و أمنائه، و عرف الخليقة (4) فضل منزلة أوليائه‏ (5) ، و فرض عليهم من طاعتهم مثل الذي فرض منه لنفسه، و ألزمهم الحجة بأن خاطبهم خطابا يدل على انفراده و توحده، و بأن له أولياء تجري أفعالهم و أحكامهم مجرى فعله، فهم العباد المكرمون، الذين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، هم الذين


____________


(1) إبراهيم 14: 35.

(2) المائدة 5: 32.

(3) النساء 4: 80.

(4) في «ج، ي» : الخلق.

(5) زاد في «ي» : و أمنائه.

التالي ص 836/912 — الأصلية 836 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...