البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · صفحة 840 من 912

صفحة
[صفحة 840]

انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد ثم الزكاة ثم الصدقات، و ما يجري مجراها من مال الفي‏ء، فقال المنافقون: هل بقي لربك علينا بعد الذي فرضه شي‏ء آخر يفترضه، فتذكره لتسكن أنفسنا أنه لم يبق غيره؟فأنزل الله في ذلك‏ قُلْ إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ يعني الولاية، و أنزل‏ إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ (1) ، و ليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد و هو راكع غير رجل واحد، لو ذكر اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من ذكره، و هذا و ما أشبهه من الرموز التي ذكرت لك ثبوتها في الكتاب ليجهل معناها المحرفون فيبلغ إليك و إلى أمثالك، و عند ذلك قال الله عز و جل: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً (2) .


و أما قوله لنبيه (صلى الله عليه و آله) : وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ (3) ، فإنك ترى أهل الملل المخالفة للايمان، و من يجري مجراهم من الكفار، مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية، و أنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا و نجوا من عذاب السعير، فإن الله تبارك و تعالى إنما عنى بذلك أنه جعله سبيلا (4) لإنظار أهل هذه الدار، لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) منهم إذا صدع بأمر الله و أجابه قومه، و سلموا و سلم أهل دارهم من سائر الخليقة، و إن خالفوه هلكوا و هلك أهل دارهم بالآفة التي كان نبيهم يتوعدهم بها و يخوفهم حلولها و نزولها بساحتهم من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة و غير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الأمم الخالية، و إن الله علم من نبينا (صلى الله عليه و آله) و من الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله، فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح، و أثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله في وصيه‏ (5) : من كنت مولاه فعلي‏ (6) مولاه، و هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.


و ليس من خليقة النبي و لا من شيمته‏ (7) أن يقول قولا لا معنى له، فلزم الأمة أن تعلم أنه لما كانت النبوة و الخلافة (8) موجودتين في خلافة هارون، و معدومتين فيمن جعله النبي (صلى الله عليه و آله) بمنزلته أنه قد استخلفه على أمته كما استخلف موسى هارون حيث قال له: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي (9) ، و لو قال لهم: لا تقلدوا الإمامة إلا فلانا بعينه و إلا نزل بكم العذاب، لأتاهم العذاب، و زال باب الإنظار و الإمهال.


و بما أمر بسد باب الجميع و ترك بابه، ثم قال: ما سددت و لا تركت، و لكني أمرت فأطعت. فقالوا: سددت


____________


(1) المائدة 5: 55.

(2) المائدة 5: 3.

(3) الأنبياء 21: 107.

(4) في المصدر: سببا.

(5) في «ج، ي» : وصيّته.

(6) زاد في المصدر و «ط» : فهذا.

(7) في «ي» : من سمته، و في «ط» : من شيمة النبوّة، و في المصدر: من النبوّة.

(8) في «ط» نسخة بدل و المصدر: و الاخوة.

(9) الأعراف 7: 142.

التالي ص 840/912 — الأصلية 840 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...