هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · صفحة 898 من 979
صفحة
[صفحة 839]
كَلاََّ إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ (1) ، و كذلك قول الله عز و جل: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ (2) ، و لم يسمهم بأسمائهم و أسماء آبائهم و أمهاتهم.
و أما قوله: كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ (3) ، فالمراد (4) كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء و يبقى الوجه، و هو أجل و أكرم و أعظم من ذلك، و إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال:
كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ* `وَ يَبْقىََ وَجْهُ رَبِّكَ (5) ؟ففصل بين خلقه و وجهه.
و أما ظهورك على تناكر (6) قوله: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامىََ فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ (7) ، و ليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، و لا كل النساء أيتام، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، و بين القول في اليتامى و بين نكاح النساء (8) من الخطاب و القصص أكثر من ثلث القرآن، و هذا و ما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر و التأمل، و وجد المعطلون و أهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن، و لو شرحت لك كل ما أسقط و حرف و بدل مما يجري هذا المجرى لطال، فظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء و مثالب الأعداء.
و أما قوله: وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ، فهو تبارك اسمه أجل و أعظم من أن يظلم، و لكنه قرن أمناءه على خلقه بنفسه، و عرف الخليقة جلالة قدرهم عنده، و أن ظلمهم ظلمه، بقوله:
وَ مََا ظَلَمُونََا ببغضهم أولياءنا، و معونة أعدائهم عليهم، وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إذ حرموها الجنة، و أوجبوا عليها خلود النار.
و أما قوله: إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ (10) ، فإن الله جل ذكره أنزل عزائم الشرايع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة، كما خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، و لو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق، و لكنه جعل الأناة و المداراة مثالا (11) ، لامنائه، و إيجابا للحجة على خلقه، فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية و الربوبية و الشهادة بأن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صلى الله عليه و آله) بالنبوة و الشهادة له بالرسالة، فلما
____________
(1) المعارج 70: 36-39.
(2) الإسراء 17: 71.
(3) القصص 28: 88.
(4) في «ط» و المصدر: فانّما أنزلت.
(5) الرحمن 55: 26، 27.
(6) في «ج، ي» : تنافر.
(7) النساء 4: 3.
(8) (و لا كل النساء أيتام... نكاح النساء) ليس في «ج، ي» .