محمد بن مسعود العياشي · تفسير العيّاشي الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 333 / داخلي 328 من 363
»»
[صفحة 333]
فرجع موسى يقفي أثره حتى انتهى إليه- و هو على حاله مستلق، فقال له موسى:
السلام عليك- فقال و عليك السلام يا عالم بني إسرائيل، قال: ثم وثب فأخذ عصاه بيده، قال: فقال له موسى: إني قد أمرت- أن أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا فقال كما قص عليكم «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» قال: فانطلقا حتى انتهيا إلى معبر (1) فلما نظر إليهم أهل المعبر- فقالوا: و الله لا نأخذ من هؤلاء أجرا، اليوم نحملهم، فلما ذهب السفينة كثرت الماء خرقها (2) قال له موسى كما أخبرتم، ثم قال: «أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً- قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ- وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً» قال: و خرجا على ساحل البحر- فإذا غلام يلعب مع غلمان- عليه قميص حرير أخضر في أذنيه درتان- فتوركه العالم (3) فذبحه فقال له موسى «أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ- لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً» قال: «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ- اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ- قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» خبزا نأكله فقد جعنا، قال: و هي قرية على ساحل البحر يقال لها: ناصرة و بها تسمى النصارى نصارى، فلم يضيفوهما و لا يضيفون بعدهما أحدا- حتى تقوم الساعة.
و كان مثل السفينة فيكم و فينا- ترك الحسين البيعة لمعاوية، و كان مثل الغلام فيكم- قول الحسين بن علي لعبد الله بن علي: لعنك الله من كافر، فقال له: قد قتلته يا با محمد و كان مثل الجدار فيكم علي و الحسن و الحسين (4).
____________
(1)- المعبر: ما عبر به النهر و المراد هنا السفينة.
(2)- كذا في النسخ و في البحار «فلما ذهبت السفينة وسط الماء خرقها 51».
(3)- تورك فلان الصبي: جعله على وركه معتمداً عليها.
(4)- البرهان ج 2: 476. البحار ج 5: 297. و قال المجلسي (ره) في بيان الحديث: أما كون ترك الحسين عالبيع لمعاوية لعنه اللَّه شبيها بخرق السفينة لأنه (ع) بترك البيعة مهد لنفسه المقدسة الشهادة، و بها انكسرت سفينة أهل البيت (صلوات الله عليهم) و كان فيها مصالح عظيمة.
منها: ظهور كفر بني أمية و جورهم على الناس، و خروج الخلق عن طاعتهم و منها: ظهور حقية أهل البيت (ع) و إمامتهم إذ لو بايعه الحسين (عليه السلام) أيضاً لظن أكثر الناس وجوب متابعة خلفاء الجور و عدم كونهم (عليهم السلام) ولاة الأمر.
و منها أن بسبب ذلك صار من بعده من الأئمة (عليهم السلام) آمنين مطمئنين، ينشرون العلوم بين الناس، إلى غير ذلك من المصالح التي لا يعملها غيرهم، و لو كان ما ذكره المورخون من بيعته (عليه السلام) له أخيراً حقاً كان المراد ترك البيعة ابتداء، و لا يبعد أن يكون في الأصل يزيد بن معاوية، فسقط الساقط الملعون هو و أبوه. و أما ما تضمن من قول الحسن (عليه السلام) لعبد اللَّه بن علي فيشكل توجيهه لأنه كان من السعداء الذين استشهدوا مع الحسين (صلوات الله عليه) على ما ذكره المفيد و غيره. و القول بأنه (عليه السلام) علم أنه لو بقي بعد ذلك و لم يستشهد لكفر بعيد. و الظاهر أن يكون عبيد اللَّه- مصغراً بناء على ما ذكره ابن إدريس إنه لم يستشهد مع الحسين (عليه السلام) رداً على المفيد، و ذكر صاحب المقاتل و غيره أنه صار إلى المختار فسأل أن يدعو إليه و يجعل الأمر له فلم يفعل، فخرج و لحق بمصعب بن الزبير فقتل في الوقعة و هو لا يعرف.
قوله: «فقال له» أي أمير المؤمنين (عليه السلام). «قد قتلته» أي سيقتل بسبب لعنك أو هذا إخبار بأنه سيقتل كما قتل الخضر الغلام لكفره و أما مثل الجدار فلعل المراد أن اللَّه تعالى كما حفظ العلم تحت الجدار للغلامين لصلاح أبيهما فكذلك حفظ العلم لصلاح علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) في أولادهم إلى أن يظهره القائم (عليه السلام) للخلق أو حفظ اللَّه علم الرسول (ص) بأمير المؤمنين للحسنين (صلوات الله عليهم)، فأقام عليا (عليه السلام) للخلافة بعد أن أصابه ما أصابه من المخالفين و اللَّه يعلم.