الشيخ الصدوق · من لا يحضره الفقيه الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 250 / داخلي 249 من 625
»»
[صفحة 250]
بالطوب والمدر(1) وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكر في هذا أو قدر علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فانك رأس هذا الامر وسنامه وأبوك اسه ونظامه.
فقال أبو عبدالله عليه السلام: إن من أضله الله وأعمى قلبة، استوخم الحق(2) فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليه يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال ومجتمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الارض بألفي عام، وأحق من أطيع فيما أمر وانتهي عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ للارواح بالصور.
فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت يا أبا عبدالله فأحلت على غائب، فقال أبوعبدالله عليه السلام: ويلك وكيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم، وإنما المخلوق(3) الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن الملك الديان فانه لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان، والذي بعثه بالآيات المحكمة، والبراهين الواضحة، وأيده بنصره، واختاره لتبليغ رسالته صدقنا قوله بأن ربه بعثه وكلمه.
فقام عنه ابن أبي العوجاء فقال لاصحابه: من ألقاني في بحر هذا، سألتكم
____________
(1) الدوس: الوطأ على الرجل، والبيدر: الموضع الذى يداس فيه الطعام ويدق ليخرج الحب من السنبل، والطوب: الاجر.
(2) الاستيخام: الاستثقال وعد الشئ غير موافق.
واستوخمه أى وجده وخيما ثقيلا. وقوله " لم يستعذبه " أى لم يجده عذبا.
(3) أى انما الغائب هو المخلوق الذى كذا أو انما المخلوق هو الذى.