الشيخ الصدوق · من لا يحضره الفقيه الجزء الرابع 4 · الصفحة الأصلية 387 / داخلي 384 من 546
»»
[صفحة 387]
من الله طول حلول النعم وابطاء موارد النقم(1)، فانه لوخشي الفوت عاجل بالعقوبة قبل الموت.
يا بنى: اقبل من الحكماء مواعظهم(2) وتدبر أحكامهم، وكن آخذ الناس بماتأمر به وأكف الناس عما تنهى عنه، وامر بالمعروف تكن من أهله، فان استتمام الامور عندالله تبارك وتعالى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتفقه في الدين فإن الفقهاء ورثة الانبياء، ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر.
واعلم ان طالب العلم يستغفر له من في السماوات والارض حتى الطير في جو السماء والحوت في البحر، وان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به، وفيه شرف الدنيا والفوز بالجنة يوم القيامة، لان الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان والا دلاء، على الله تبارك وتعالى وأحسن إلى جميع الناس كما تحب ان يحسن اليك، وارض لهم ما ترضاه لنفسك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وحسن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنوا اليك(3) وإذا مت بكوا عليك وقالوا انا لله وانا اليه راجعون، ولا تكن من الذين يقال عند موته: الحمد لله رب العالمين.
واعلم ان رأس العقل بعد الايمان بالله عزوجل مدارأة الناس، ولا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لابد من معاشرته حتى يجعل الله إلى الخلاص منه سبيلا، فإنى وجدت جميع ما يتعايش به الناس وبه يتعاشرون ملء مكيال ثلثاه استحسان وثلثه تغافل(4)، وما خلق الله عزوجل شيئا احسن من الكلام ولا اقبح منه، بالكلام
____________
(1) لان ذلك ربما كان استدراجا فحسبته نعمة، وقوله " فانه " أى فان الله عزوجل.
(2) أى العلماء الذين يعلمون ما يصلح العبد وما يفسده، وقد أشار تعالى اليهم وقا ل: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا ".
(3) من الحنين بمعنى الاشتياق، حن اليه أى اشتاق.
(4) المراد بالاستحسان عدشئ حسنا وهو فيما يمكن من الافعال حمله على أنه حسن وفيما لا يمكن ذلك فيه ينبغي حمله على التغافل.(مراد) (*)