عبد علي العروسي الحويزي · تفسير نور الثقلين الجزء الثاني 2 · صفحة 16 من 67
صفحة
[صفحة 3] معكما مقاتلون، فجزاه النبي (صلى الله عليه وآله) خيرا ثم جلس، ثم قال: اشيروا علي، فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي انت وامي يارسول الله كانك اردتنا؟ قال: نعم، قال: فلعلك خرجت على امر قد أمرت بغيره؟ قال: نعم، قال: بابي انت وامي يارسول الله (صلى الله عليه وآله) اننا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت وخذ من اموالنا ما شئت واترك منه ما شئت والذي أخذت منه أحب الي من الذي تركت منه، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك، ثم قال: بأبي نت وامي يارسول الله والله ما اخذت هذا الطريق قط ومالي به من علم وقد خلفنا بالمدينة قوما ليس نحن باشد جهادا لك منهم، ولو علموا انه الحرب لما تخلفوا، ولكن نعد لك الرواحل ونلقي عدونا صبر عند اللقاء أنجاد في الحرب (1) وانا لنرجو ان يقر الله عزوجل عينيك بنا فان يك ما تحب فهو ذاك، وان لم يكن غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): او يحدث الله غير ذلك؟ كأني بمصرع فلان هيهنا وبمصرع فلان هيهنا، و بمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، فان الله قد وعدني احدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد، فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الآية كما اخرجك ربك من بيتك بالحق إلى قوله ولو كره المجرمون فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر وهي العدوة الشامية، و أقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية وبعثت عبيدها تستعذب من الماء فأخذهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحبسوهم فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن عبيد قريش قالوا: فأين العير؟ قالوا: لا علم لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي، فانفتل من صلوته (2) فقال: ان صدقوكم ضربتموهم وان كذبوكم تركتموهم؟ علي بهم، فأتوا بهم فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: يامحمد نحن عبيد قريش قال: كم القوم؟ قالوا: لا علم لنا بعددهم، قال: كما ينحرون في كل يوم جزورا (3)
____________
(1) انجاد جمع نجد: الشجاع الماضي في ما يعجزه غيره، سريع الاجابة فيما دعى اليه.
(2) انفتل عن الصلاة: انصرف عنها.
(3) الجزور: الناقة التي تنحر. (*)
الصفحة 126
قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال (صلى الله عليه وآله): القوم تسعمأة إلى ألف، قال: فمن فيهم من بني هاشم؟ قالوا: العباس بن عبدالمطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهم فحبسوا، فبلغ قريشا ذالك وخافوا خوفا شديدا.
ولقى عتبة بن ربيعة ابا البختري بن هشام فقال له: اما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي، خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا والله ما أفلح قوم قط بغوا، ولوددت ان ما في العير من اموال بني عبد مناف ذهب كله ولم نسر هذا المسير، فقال له أبوالبختري: انك سيد من سادات القريش وتحمل العير التي أصابها محمد (صلى الله عليه وآله) واصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي (1) فانه حليفك فقال عتبة: أنت علي بذلك (2) وما على أحد منا خلاف ذلك الا ابن الحنظلية يعني أبا جهل فسر اليه اني قد تحملت العير التي قد اصابها محمد ودم ابن الحضرمي فقال أبوالبختري: فقصدت خباه (3) واذا هو قد أخرج درعا له، فقلت له: ان ابا الوليد بعثني اليك برسالة فغضب، ثم قال: اما وجد عتبة رسولا غيرك؟ فقلت: اما والله لو غيره أرسلني ما جئت ولكن أبا الوليد سيد العشيرة فغضب غضبة اخرى فقال: تقول: سيد العشيرة فقلت: أنا أقوله وقريش كلها تقول، انه قد تحمل العير ودم ابن الحضرمي؟ فقال:
ابن عتبة أطول الناس لسانا وأبلغهم في الكلام ويتعصب لمحمد فانه من بني عبد مناف
____________
(1) هذا اشارة إلى قصة عبدالله بن جحش وسريته التي سار فيها إلى نخلة وقتل فيها عمرو بن الحضرمي ـ وكان حليف عتبة بن ربيعة وكان اخوه عامر بن الحضرمي في المشركين في وقعة بدر ـ وقتال عبدالله مع المشركين في تلك السرية حتى غلبهم وأسر منهم عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان وهزم الباقي، فأقبل عبدالله بن جحش وأصحابه بالعير وبالاسيرين إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان ذلك في رجب فأنكر النبي (صلى الله عليه وآله) والناس ذلك منهم وقال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " فنزل يسئلونك عن الشهر الحرام.. اه " إلى آخر ما ذكره المؤرخون فراجع النهاية والطبري والسيرة لابن هشام وغيرها.
(2) اي قد فعلت وأنت الشاهد على ذلك.
(3) الخباء: الخيمة اذا كانت من صوف أو وبر أو شعر. (*)
الصفحة 127
وابنه معه يريد أن يحذر الناس، لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم (1) بيثرب، ونأخذهم اسارى فندخلهم مكة وتتسامع العرب بذلك، ولا يكون بيننا وبين متجرنا احد نكرهه.
وبلغ اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثرة القريش ففزعوا فزعا شديدا وشكوا وبكوا و اشتغاثوا فأنزل الله عزوجل على رسوله (صلى الله عليه وآله) اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين وما جعله الله الا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم فلما امسى قابل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجنه الليل (2) ألقى الله على أصحابه النعاس حتى ناموا، وأنزل الله تبارك وتعالى عليهم السماء (3) وكان نزول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في موضع لا يثبت فيه القدم، فأنزل عليهم السماء ولبد الارض (4) حتى ثبتت أقدامهم وهو قول الله تعالى: اذ يغشيكم النعاس امنة منه وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وذلك أن بعض اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) احتلم وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام وكان المطر على قريش مثل العزالي (5) وكان على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رذاذا (6) بقدر ما لبد الارض وخافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا يتحارسون يخافون البيات، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود فقال: ادخلا في القوم وأتونا بأخبارهم فكانا يجولان في عسكرهم فلا يرون الا خائفا ذعرا اذا سمعوا صهل الفرس وثبت على جحفلته (7) فسمعوا منبه بن الحجاج يقول:
____________
(1) اي نهجم عليهم.
(2) جن عليه الليل وجنه: ستره وأظلم عليه.
(3) السماء هنا بمعنى المطر، وفي المصدر " الماء " بدل " السماء ".
(4) التلبيد: الالصاق.
(5) العزالي جمع العزلاء: مصيب الماء من الراوية، ومنه قولهم: ارخت السماء عزاليها.
لا يترك الجوع لنا مبيتا * لابد ان نموت أو نميتا قال: قد والله كانوا أشباعا ولكنهم من الخوف قالوا هذا، والقى الله في قلوبهم الرعب كما قال تبارك وتعالى " سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب " فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبأ (1) أصحابه وكان في عسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرسان: فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد، وكان في عسكر أصحابه سبعون جملا يتعاقبون عليها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن ابيطالب (عليه السلام) ومرثد بن أبي مرثد الغنوي على جمل
يتعاقبون عليه والجمل للمرثد، وكان في عسكر قريش اربعمأة فرس، فعبأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه بين يديه، فقال: غضوا أبصاركم ولا تبدوهم بالقتال ولا يتكلمن احد.
فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ابوجهل: ما هم الا اكلة رأس ولو بعثنا اليهم عبيدنا لاخذوهم اخذا باليد، فقال عتبة: أترى لهم كمينا و مددا فبعثوا عمرو بن وهلب الجمحي وكان شجاعا فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم صعد في الوادي وصوت ثم رجع إلى قريش فقال: ما لهم كمين ولا مدد، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع (2) أما ترونهم خرساء لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الافعى (3) ما لهم ملجأ الا سيوفهم وما أراهم يولون حتى يقتلون، ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم؟ فقال ابوجهل: كذبت وجبنت وانتفخ سحرك (4) حين نظرت إلى سيوف اهل يثرب وفزع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين نظروا إلى كثرة قريش وقوتهم، وانزل الله عزوجل على رسوله: " وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " وقد علم الله عزوجل انهم لا يجنحون ولا يجيبوا إلى السلم وانما أراد بذلك ليطيب قلوب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فبعث رسول الله إلى قريش، فقال: يامعشر قريش ما أجد من العرب أبغض الي من أن أبدأ بكم فخلوني
____________
(1) عبأ الجيش للحرب: جهزه وهيأه.
(2) النواضح: الابل التي يستقى عليها الماء: والناقع: الثابت البالغ في الافناء.
والعرب، فان أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، وان أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب (1) أمري فارجعوا فقال عتبة: والله ما افلح قوم قط ردوا هذا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر اليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجول في العسكر وينهى عن القتال فقال: ان يك عند أحد خير فعند صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش اجتمعوا واسمعوا ثم خطبهم فقال: يمن مع رحب ورحب مع يمن يامعشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور وعانقوا الحور فان محمدا له إل وذمة وهو ابن عمكم، فارجعوا فلا تردوا رأيي، وانما تطالبون محمدا بالعير التي أخذها بنخلة ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله، فلما سمع أبوجهل ذلك غاظه وقال: ان عتبة أطول الناس لسانا وأبلغهم في الكلام، ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش آخر الدهر ثم قال: ياعتبة نظرت إلى سيوف بني عبدالمطلب وجبنت وانتفخ سحرك، وتأمر الناس بالرجوع وقد رأينا آثارنا باعيننا، فنزل عتبة عن جمله وحمل على أبي جهل وكان على فرس وأخذ بشعره فقال الناس: يقتله فعرقب فرسه (2) فقال: أمثلي يجبن؟ وستعلم قريش اليوم أينا ألام وأجبن، واينا المفسد لقومه لا يمشي الا أنا وأنت إلى الموت عيانا، ثم قال: