تفسير نور الثقلين

عبد علي العروسي الحويزي · تفسير نور الثقلين الجزء الخامس 5 · الصفحة الأصلية 398 / داخلي 397 من 747

[صفحة 398]

عابدا زاهدا منهمكا في العبادة (1) وليس له علم ولا حكم وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته، فلما رأى أن قومه لايجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر، فشكا ذلك إلى ربه وكان فيما شكا أن قال: يا رب انك بعثتنى إلى قومى ولى ثلاثون سنة فلبثت فيهم ادعوهم إلى الايمان بك والتصديق برسالتى واخوفهم عذابك ونقمتك ثلاثا و ثلاثين سنة فكذبونى، ولم يؤمنوا بى وجحدوا نبوتى واستخفوا برسالتى، وقد توعدونى وخفت أن يقتلونى، فأنزل عليهم عذابك فانهم قوم لايؤمنون، فأوحى الله إلى يونس:


ان فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين وانا الحكم العدل، سبقت رحمتى غضبى، لا اعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك، و هم يا يونس عبادى وخلقى وبريتى في بلادى وفى عيلتى، احب أن أتأناهم (2) وارفق بهم وانتظر توبتهم وانما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا عليهم تعطف عليهم سخاء الرحمة الماسة منهم وتتأناهم برأفة النبوة فاصبر معهم باحلام الرسالة وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوى العالم بمداواة الدواء، فخرجت بهم ولم تستعمل قلوبهم بالرفق، ولم تسسهم بسياسة المرسلين، ثم سألتنى مع سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك وعبدى نوح كان أصبر منك على قومه وأحسن صحبة واشد تانيا في الصبر عندى، وابلغ في العذر، فغضبت له حين غضب لى وأجبته حين دعانى، فقال يونس: يا رب انما غضبت عليهم فيك وانما دعوت عليهم حين عصوك فوعزتك لا أنعطف عليهم برأفة أبدا، ولا انظر اليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذبيهم اياى، وجحدهم نبوتى، فأنزل عليهم عذابك فانهم لايؤمنون ابدا فقال الله: يا يونس انهم مأة الف أو يزيدون من خلقى يعمرون بلادى ويلدون عبادى ومحبتى أن أتأناهم للذى سبق من علمى فيهم وفيك، وتقديرى وتدبيرى غير علمك وتقديرك، وانت المرسل وانا الرب الحكيم، وعلمى


____________

(1) انهمك في الامر: جد فيه ولج.

(2) من التأنى اى الرفق والمداراة. (*)

التالي الأصلية 398داخلي 397/747 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...