الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن1 · صفحة 1 من 49

صفحة
الأصفى في تفسير القرآن

الجزء الأول
المؤلف: محمد محسن الفيض الكاشاني

(1007 - 1091 هـ)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا للتمسك بالثقلين ، وجعل لنا القرآن هدى ، والمودة في القربى

قرة عين . أبلج عن هدى نبيه المرسل بنور كتابه المنزل ، وكشف عن سر كتابه المنزل بعترة

نبيه المرسل . جعل الكتاب والعترة بينه وبيننا حبلين ممدودين ، وصاحبين مصطحبين غير

مفترقين ، لم يزل أقامهما فينا ، طرف منهما بيده وطرف بأيدينا ، ما تمسكنا بهما لن نضل ،

وما اعتصمنا بهما لن نزل . فصل اللهم على محمد وعترته ، واسقنا من كأسهم الأصفى

ما يروينا ، وآتنا من فهم القرآن وعلمه الأوفى ما يغنينا .

أما بعد ، فيقول الفقير إلى الله في كل مسلك وموطن ، محمد بن مرتضى المدعو

بمحسن - زوده الله في دنياه لعقباه ، وجعل آخرته خيرا من أولاه - : هذا ما اصطفيت من

تفسيري للقرآن المسمى ب‍ " الصافي " راعيت فيه غاية الايجاز مع التنقيح ، ونهاية

التلخيص مع التوضيح ، مقتصرا على بيان ما يحتاج إلى البيان من الآيات ، دون

ما يستغنى عنه من المحكمات الواضحات ، فبالحري أن يسمى ب‍ " الأصفى " .

وعسى أن يفي ببيان أكثر ما لا يفهم ظاهره بدون البيان من القرآن ، وإن كان

" الصافي " هو الأوفى ، وإنما معولي فيه على كلام الامام المعصوم من آل الرسول ، إلا

فيما يشرح اللغة والمفهوم وما إلى القشر يؤول ، إذ لا يوجد معالم التنزيل إلا عند قوم كان


ينزل في بيوتهم جبرئيل ، ولا كشاف عن وجوه عرائس أسرار التأويل إلا من خوطب

بأنوار التنزيل . ولا يتأتى تيسير تفسير القرآن إلا ممن لديه مجمع البيان والتبيان . فعلى من

نعول إلا عليهم ؟ وإلى من نصير إلا إليهم ؟ لا والله لا نتبع إلا أخبارهم ، ولا نقتفي إلا

آثارهم .

ولهذا ما أوردت فيما يفتقر إلى السماع إلا حديثهم ما وجدت إليه سبيلا ، إما بألفاظه

ومتونه ، أو بمعانيه ومضمونه ، غير أني لم أذكر قائله بخصوصه ، إذ حديثهم واحد ،

وحديثهم حديث رسول الله ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله تبارك وتعالى ، كما ورد

عنهم عليهم السلام ( 1 ) .

فكل ما كان من ألفاظهم عليهم السلام صدرته ب‍ " قال " ، أو " ورد " ، أو " في رواية " .

فإن تصرفت في شئ منه لتلخيص يستدعيه ، أو لتوضيح معانيه ، نبهت عليه إن

احتاج إلى التنبيه ، ليعرف أنه المنقول بمضمونه ومعانيه ، وأكثر ما نبهت به على ذلك

تذييله ب‍ " كذا ورد " ، فإنه من أوجز ألفاظ هذا التنبيه .

وما نقلته من " تفسير علي بن إبراهيم القمي " مما لم ينسبه إلى المعصوم وظاهره أنه

مسند إلى المعصوم ، صدرته ب‍ " القمي " ليمتاز عن المجزوم .

وما رويت من طريق العامة ، صدرته ب‍ " روي " ليمتاز عما رويت من طريق الخاصة .

وما لم أجد فيه إلى حديث المعصوم سبيلا ، أو لم أعتمد على ما وجدت منه ،

وهو مما يفتقر إلى السماع - وعسى أن يكون قليلا - أوردت من سائر التفاسير ما هو أقوم

قيلا . والله المستعان ، نفعنا الله به وسائر الاخوان ، بحق العترة والقرآن ، إنه الجواد

المنان .


1 - الكافي 1 : 53 ، الحديث : 14 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

مقدمة :
ينبغي لمن أراد فهم معاني القرآن من الأخبار من دون توهم تناقض وتضاد ، أن لا

يجمد في تفسيره ومعناه على خصوص بعض الآحاد والأفراد ، بل يعمم المعنى

والمفهوم في كل ما يحتمل الإحاطة والعموم ، كما ورد في بعض الآيات من

الروايات . فإن وهم التناقض في الأخبار المخصصة إنما يرتفع بذلك ، وفهم أسرار القرآن

يبتني على ذلك ، وإن نظر أهل البصيرة إنما يكون على الحقائق الكلية ، دون

الأفراد الجزئية .

فما ورد في بعض الأخبار من التخصيص ، فإنما ورد للتنبيه على المنزل فيه ، أو

الإشارة إلى أحد بطون معانيه ، أو غير ذلك . وذلك بحسب فهم المخاطب على سبيل

الاستئناس ، إذ كان كلامهم مع الناس على قدر عقول الناس ( 1 ) .

وقد عمم مولانا الصادق عليه السلام الآية التي وردت في صلة رحم آل محمد عليهم

السلام صلة كل رحم ، ثم قال : " ولا تكونن ممن يقول في الشئ : إنه في شئ واحد " ( 2 ) .

وعليه نبه عليه السلام في حديث المفضل بن عمر ، حيث فسر له قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " علي

قسيم الجنة والنار " ، وقد ذكرناه في مقدمات " الصافي " ( 3 ) .

كيف ولو كان المقصود من القرآن مقصورا على أفراد خاصة ومواضع مخصوصة ،

لكان القرآن قليل الفائدة ، يسير الجدوى والعائدة ، حاشاه عن ذلك فإنه " بحر لا ينزف ( 4 ) ،


1 - عن أبي عبد الله عليه السلام قال : " ما كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العباد
بكنه عقله قط ، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنا

معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم " . " الكافي 1 : 23 ، الحديث : 15 " .

2 - الكافي 2 : 156 ، الحديث : 28 . ويأتي أيضا في ذيل الآية : 21 من سورة الرعد .
3 - الصافي 1 : 22 ، المقدمة الثالثة . والحديث في علل الشرايع 1 : 161 ، الباب : 130 ، الحديث : 1 .
4 - نهج البلاغة ( لصبحي الصالح ) : 315 ، الخطبة : 318 . وفيه : " بحر لا ينزفه المستنزفون " . نزفت
ماء البئر نزفا : نزحته كله . الصحاح 4 : 1430 ( نزف ) .


ظاهره أنيق ( 1 ) ، وباطنه عميق ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه " . كما ورد ( 2 ) .

وقد تبين مما ذكرنا معنى التأويل ، فإنه يرجع إلى إرادة بعض أفراد معنى العام ، وهو

ما بطن عن أفهام العوام ، ويقابل التنزيل ( 3 ) . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .


1 - شئ أنيق ، أي : حسن معجب . الصحاح 4 : 1447 ( أنق ) .
2 - الكافي 2 : 599 ، الحديث : 2 ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
3 - في " ب " و " ج " : " بالتنزيل " .

سورة فاتحة الكتاب

( بسم الله ) قال : " الله هو الذي يتأله إليه كل مخلوق عند الحوائج والشدائد ، إذا

انقطع الرجاء من كل من دونه وتقطع الأسباب من جميع من سواه ، يقول : " بسم الله " ،

أي : أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له ، المغيث إذا استغيث ،

والمجيب إذا دعي " ( 1 ) .

أقول : معنى يتأله إليه : يفزع إليه ويلتجأ ويسكن . وفي رواية : " يعني : بهذا
الاسم أقرأ ، أو أعمل هذا العمل " ( 2 ) . وفي أخرى : " يعني : أسم نفسي بسمة من سمات

الله وهي العبادة . قال : والسمة : العلامة " ( 3 ) . ويأتي حديث آخر في معنى " الله " في

تفسير سورة الاخلاص إن شاء الله .
( الرحمن ) قال : " الذي يرحم ببسط الرزق علينا " ( 4 ) . وفي رواية : " العاطف على

خلقه بالرزق ، لا يقطع عنهم مواد رزقه ، وإن انقطعوا عن طاعته " ( 5 ) .


1 - التوحيد : 231 ، الباب : 31 ، الحديث : 5 ، عن أبي محمد العسكري عليه السلام .
2 - تفسير الإمام عليه السلام : 25 .
3 - التوحيد : 229 ، الباب : 31 ، الحديث : 1 ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام .
4 - المصدر : 232 ، الباب : 31 ، الحديث : 5 ، عن علي بن الحسين ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام .
5 - تفسير الإمام عليه السلام : 34 .

أقول : الرزق يشمل كل ما به قوام الوجود والكمال اللائق به .
( الرحيم ) قال : " الرحيم بنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا ، خفف علينا الدين وجعله

سهلا ، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه " ( 1 ) . وفي رواية : " الرحيم بعباده المؤمنين في

تخفيفه عليهم طاعاته ، وبعباده الكافرين في الرفق في دعائهم إلى موافقته " ( 2 ) .

( الحمد لله ) قال : " قال الله : قولوا : الحمد لله عليه ما أنعم به علينا " ( 3 ) . ( رب

العلمين ) . قال : " يعني : مالك الجماعات من كل مخلوق ، وخالقهم ، وسائق رزقهم

إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، يقلب الحيوانات في قدرته ، ويغذوها

من رزقه ، ويحوطها ( 4 ) بكنفه ، ويدبر كلا منها بمصلحته ، ويمسك الجمادات بقدرته ما

اتصل منها عن التهافت ( 5 ) ، والمتهافت عن التلاصق ، والسماء أن تقع على الأرض إلا

بإذنه ، والأرض أن تنخسف إلا بأمره " ( 6 ) .

( الرحمن الرحيم ) . لعل تكريرهما للتنبيه بهما في جملة الصفات المذكورة على

استحقاقه الحمد .

( ملك يوم الدين ) . قال : " يعني : القادر على إقامته والقاضي فيه بالحق .

والدين : الحساب " ( 7 ) .

( إياك نعبد ) قال : " قال الله تعالى : قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم : إياك - أيها

المنعم علينا - نطيع ، مخلصين ، موحدين مع التذلل والخشوع ، بلا رياء ولا سمعة " ( 8 ) .


1 - التوحيد : 232 ، الباب : 31 ، الحديث : 5 ، عن علي بن الحسين ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام .
2 - تفسير الإمام عليه السلام : 34 .
3 - المصدر : 30 .
4 - الحياطة : الحفاظة . مجمع البحرين 4 : 243 ( حوط ) .
5 - التهافت : التساقط قطعة قطعة . الصحاح 1 : 271 ( هفت ) .
6 - تفسير الإمام عليه السلام . 30 ، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 282 - 283 ، الباب : 28 ، الحديث : 30 .
7 - المصدر : 38 .
8 - المصدر : 39 .

وفي رواية : " لا نريد منك غيرك " ( 1 ) .

أقول : إنما انتقل العبد من الغيبة إلى الخطاب ، لأنه كان بتمجيده لله سبحانه يتقرب إليه
متدرجا ، إلى أن بلغ في القرب مقاما كأن العلم صار له عيانا ، والخبر شهودا ، والغيبة حضورا .

( وإياك نستعين ) قال : " على طاعتك وعبادتك ، وعلى دفع شرور أعدائك " ( 2 ) .

( اهدنا الصراط المستقيم ) . قال : " يعني : أدم لنا ( 3 ) توفيقك الذي أطعناك به في

ماضي أيامنا ، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا " ( 4 ) . وفي رواية : " يعني : أرشدنا

للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك ، والمبلغ إلى جنتك ، والمانع من أن نتبع أهواءنا

فنعطب ( 5 ) وأن نأخذ بآرائنا فنهلك " ( 6 ) . وفي أخرى : " الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر

عن الغلو ، وارتفع عن التقصير ، واستقام ، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة " ( 7 ) .

وفي أخرى : " هي الطريق إلى معرفة الله ، وهما صراطان : صراط في الدنيا وصراط

في الآخرة ، فأما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى

بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت

قدمه على الصراط في الآخرة فتردى ( 8 ) في نار جهنم " ( 9 ) . وورد : " الصراط أدق من الشعر


1 - تفسير القرآن الكريم ، للسيد مصطفى الخميني 1 : 419 ، نقلا من تفسير الإمام عليه السلام . ولم نجده فيما كان
بأيدينا من تفسير الإمام عليه السلام ونقله في الصافي 1 : 72 بلفظة : وفي رواية عامية عن الصادق عليه السلام .

2 - تفسير الإمام عليه السلام : 41 .
3 - لما كان العبد محتاجا إلى الهداية في جميع أموره آنا فآنا ولحظة فلحظة ، فإدامة الهداية هي هداية
أخرى بعد الهداية الأولى ، فتفسير الهداية بإدامتها ليس خروجا عن ظاهر اللفظ . " منه في الصافي

1 : 72 " .

4 - معاني الأخبار : 33 ، الحديث : 4 ، عن أبي محمد العسكري عليه السلام .
5 - العطب : الهلاك . الصحاح 1 : 184 ( عطب ) .
6 - تفسير الإمام عليه السلام : 44 .
7 - معاني الأخبار : 33 ، الحديث : 4 ، عن أبي محمد العسكري عليه السلام .
8 - أي : سقط في جهنم . مجمع البحرين 1 : 181 ( ردا ) .
9 - معاني الأخبار : 32 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

وأحد من السيف . فمنهم من يمر عليه مثل البرق ، ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ،

ومنهم من يمر عليه ماشيا ، ومنهم من يمر عليه حبوا ( 1 ) ، ومنهم من يمر عليه متعلقا ، فتأخذ

النار منه شيئا وتترك شيئا " ( 2 ) . وفي رواية : " إنه مظلم ، يسعى الناس عليه على قدر

أنوارهم " ( 3 ) .

أقول : مآل الكل واحد ، لان الصراط المستقيم ما إذا سلكه العبد أوصله إلى الجنة ،
وهو ما يشتمل عليه الشرع ، كما قال الله تعالى : " وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم " ( 4 ) .

وهو صراط التوحيد والمعرفة ، والتوسط بين الأضداد في الأخلاق ، والتزام صوالح

الأعمال .
وبالجملة : صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا مقتديا فيه

بهدى إمامه ، ينتقل فيه من معرفة إلى معرفة أخرى فوقها ، ومن خلق محمود إلى

أحمد ، ومن عمل صالح إلى أصلح ، حتى يلتحق بأهل الجنة . وهو أدق من الشعر

وأحد من السيف في المعنى ، مظلم لا يهتدي إليه إلا من جعل الله له نورا يمشي به

في الناس ، يسعى الناس عليها على قدر أنوارهم في المعرفة . وورد : " إن الصورة

الانسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير ، والجسر الممدود بين الجنة والنار " ( 5 ) .

ويتبين من هذا كله أن الصراط والمار عليه شئ واحد ، في كل خطوة يضع قدمه

على رأسه ، أعني يعمل على مقتضى نور معرفته التي هي بمنزلة رأسه ، بل ويضع رأسه

على قدمه ، أي : يبني معرفته على نتيجة عمله الذي كان بناؤه على المعرفة السابقة ، حتى

يقطع المنازل ويصل إلى الجنة ، وإلى الله المصير .


1 - حبا الصبي حبوا : إذا مشى على أربع . مجمع البحرين 1 : 94 ( حبا ) .
2 - القمي 1 : 29 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
3 - الصافي 1 : 73 ، ونوادر الاخبار : 346 ، الباب : 91 ، في الصراط .
4 - الشورى ( 42 ) : 52 .
5 - الصافي 1 : 73 ، عن الصادق عليه السلام .

( صرط الذين أنعمت عليهم ) قال : " أي قولوا : صراط الذين أنعمت عليهم

بالتوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصحة ، فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا . قال : وهم

الذين قال الله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من

النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " ( 1 ) .

( غير المغضوب عليهم ) قال : " هم اليهود الذين قال الله فيهم : " من لعنه الله

التالي ص 1/49 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...