الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 105 من 176

صفحة
[صفحة 1]
[ مدنية ، وهي ثماني عشرة آية ] ( 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم

( يا أيها الذين امنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) قيل : أي : بين يدي رسول

الله ، وذكر الله تعظيم له وإشعار بأنه من الله بمكان ، والمعنى : لا تقطعوا أمرا قبل أن

يحكما به ( 2 ) ، أو لا تتقدموا في المشي ( 3 ) . ( واتقوا الله ) في التقديم ( إن الله سميع )

لأقوالكم ( عليم ) بأفعالكم .

( يا أيها الذين امنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) أي : إذا كلمتموه

فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته ( ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ) : ولا

تبلغوا به الجهر الدائر بينكم ، بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته ، محاماة على الترحيب

ومراعاة للأدب ، وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الأيقاظ ، والدلالة

على استقلال المنادى له ، وزيادة الاهتمام به . ( أن تحبط أعمالكم ) : لأن تحبط ، أو

كراهة أن تحبط . ( وأنتم لا تشعرون ) أنها محبطة .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - البيضاوي 5 : 86 .

( 3 ) - تفسير ابن جزي : 701 .


القمي : نزلت في وفد بني تميم ، كانوا إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقفوا على باب

حجرته فنادوا : يا محمد أخرج إلينا . وكانوا إذا خرج رسول الله تقدموه في المشي ، وكانوا

إذا كلموه رفعوا أصواتهم فوق صوته ويقولون : يا محمد يا محمد ما تقول في كذا ؟ كما

يكلمون بعضهم بعضا ، فأنزل الله ( 1 ) .

وورد : ( وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بهم رحيما وعليهم عطوفا ، وفي إزالة الآثام عنهم مجتهدا ،

حتى أنه كان ينظر إلى من يخاطبه فتعمل ( 2 ) على أن يكون صوته مرتفعا على صوته ،

ليزيل عنه ما توعده الله من إحباط أعماله ، حتى أن رجلا أعرابيا ناداه يوما خلف

حائط بصوت له جهوري : يا محمد ، فأجابه بأرفع من صوته ، يريد أن لا يأثم الأعرابي

بارتفاع صوته ) ( 3 ) .

( إن الذين يغضون أصواتهم ) : يخفضونها ( عند رسول الله ) مراعاة للأدب

( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) : جربها لها ومرنها عليها ( لهم مغفرة وأجر

عظيم ) .

( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) : من خارجها ، خلفها أو قدامها ، والمراد

حجرات نسائه ( أكثرهم لا يعقلون ) إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة لمن

كان بهذا المنصب .

( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) . في ( إليهم ) إشعار بأنه لو

خرج لا لأجلهم ، ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم . ( والله غفور

رحيم ) حيث اقتصر على النصح والتقريع .

( يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) : فتعرفوا وتفحصوا . وفي


( 1 ) - القمي 2 : 318 .

( 2 ) - أي : تكلف العمل . وتعمل ، أي : تعنى . لسان العرب 11 : 476 ( عمل ) .

( 3 ) - تفسير الإمام عليه السلام : 477 ، الحديث : 305 ، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام .


قراءتهم عليهم السلام بالثاء المثلثة والباء الموحدة ( 1 ) ، يعني فتوقفوا حتى يتبين الحال ( أن

تصيبوا ) : كراهة إصابتكم ( قوما بجهالة ) : جاهلين بحالهم ( فتصبحوا على ما فعلتم

نادمين ) .

( نزلت في الوليد بن عقبة ( 2 ) ، حيث أخبر عن بني المصطلق بالارتداد ، فهم المؤمنون

بقتالهم ) . كذا ورد ( 3 ) .

( واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) : لوقعتم في

العنت ، وهو الجهد والهلاك . وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإيقاع ببني المصطلق .

( ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق

والعصيان ) .

قيل : هو خطاب للمؤمنين الذين لم يفعلوا ذلك ولم يكذبوا لغرضهم الفاسد ، تحسينا

لهم وتعريضا بذم من فعل ( 4 ) .

قال : ( الفسوق : الكذب ) ( 5 ) . وورد : ( الأيمان : أمير المؤمنين عليه السلام ، والكفر والفسوق

والعصيان : الأول والثاني والثالث ) ( 6 ) .

( أولئك هم الراشدون ) يعني أولئك الذين فعل الله بهم ذلك ، هم الذين أصابوا

الطريق السوي .

( فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) .

( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) : تقاتلوا ( فأصلحوا بينهما ) بالنصح


( 1 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 131 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - مرت ترجمته ذيل الآية : 20 من سورة السجدة .

( 3 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 132 ، عن ابن عباس ومجاهد .

( 4 ) - الجامع لأحكام القرآن ( للقرطبي ) 16 : 314 ، بالمضمون .

( 5 ) - مجمع البيان 9 - 10 : 133 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 6 ) - الكافي 1 : 426 ، الحديث : 71 ، القمي 2 : 319 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


والدعاء إلى حكم الله ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ) : تعدت ( فقاتلوا التي تبغي

حتى تفئ إلى أمر الله ) : ترجع إلى حكمه وما أمر به ( فإن فاءت فأصلحوا بينهما

بالعدل ) : بفصل ما بينهما على ما حكم الله ( وأقسطوا ) : واعدلوا في كل الأمور ( إن الله

يحب المقسطين ) .

قيل : نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده صلى الله عليه وآله بالسعف والنعال ( 1 ) .

وورد : ( إنما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة ، وهم أهل هذه الآية ، وهم الذين بغوا

على أمير المؤمنين عليه السلام . قال : وهي الفئة الباغية ) ( 2 ) .

( إنما المؤمنون إخوة ) قال : ( بنو أب وأم ( 3 ) ، وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر

له الآخرون ) ( 4 ) .

وفي رواية : ( لأن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان ، وأجرى في صورهم من ريح

الجنة ، فلذلك هم إخوة لأب وأم ) ( 5 ) .

( فأصلحوا بين أخويكم ) ورد : ( صدقة يحبها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا ،

وتقارب بينهم إذا تباعدوا ) ( 6 ) .

( واتقوا الله لعلكم ترحمون ) .

( يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء


( 1 ) - الكشاف 3 : 563 ، البيضاوي 5 : 88 .

( 2 ) - الكافي 8 : 180 ، ذيل الحديث : 202 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - أريد بالأب روح الله الذي نفخ منه في طينة المؤمن ، وبالأم الماء العذب والتربة الطيبة ، لا آدم وحواء كما

يتبادر إلى بعض الأذهان ، لعدم اختصاص الانتساب إليهما بالأيمان . إلا أن يقال : تباين العقائد صار مانعا عن

تأثير تلك الأخوة . لكنه بعيد . ويمكن أن يكون المراد اتحاد آبائهم الحقيقية الذين أحيوهم بالأيمان والعلم .

مرآة العقول 9 : 8 .

( 4 ) - الكافي 2 : 165 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 5 ) - المصدر : 166 ، الحديث : 7 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 6 ) - الكافي 2 : 209 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ) أي : لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ،

إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر .

القمي : نزلت في صفية بنت حي بن أخطب ، وكانت زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك أن

عائشة وحفصة كانتا تؤذيانها ، وتشتمانها وتقولان لها : يا بنت اليهودية . فشكت ذلك إلى

رسول الله . فقال لها : ألا تجيبينهما ؟ فقالت : بماذا يا رسول الله ؟ قال : قولي : إن أبي هارون

نبي الله ، وعمي موسى كليم الله ، وزوجي محمد رسول الله ، فما تنكران مني ؟ فقالت

لهما . فقالتا : هذا علمك رسول الله ، فأنزل الله ( 1 ) .

( ولا تلمزوا أنفسكم ) : ولا يعب بعضكم بعضا ( ولا تنابزوا بالألقاب ) ولا يدعو

بعضكم بعضا بلقب السوء ( بئس الاسم الفسوق بعد الأيمان ) أي : بئس الذكر المرتفع

للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم الأيمان واشتهارهم به . ( ومن لم يتب ) عما

نهي عنه ( فأولئك هم الظالمون ) بوضع العصيان موضع الطاعة ، وتعريض النفس

للعذاب .

( يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ) : كونوا منه على جانب . وإبهام

الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل ، حتى يعلم أنه من أي القبيل ( إن بعض الظن إثم ) .

ورد : ( ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك منه ، ولا تظنن بكلمة خرجت

من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا ) ( 2 ) .

( ولا تجسسوا ) : ولا تبحثوا عن عورات المؤمنين . ورد : ( لا تطلبوا عثرات

المؤمنين ، فإنه من يتبع ( 3 ) عثرات أخيه يتبع الله عثرته ، ومن يتبع الله عثرته ، يفضحه ولو


( 1 ) - القمي 2 : 321 .

( 2 ) - الكافي 2 : 362 ، الحديث : 3 ، عن أبي عبد الله ، عن أمير المؤمنين عليهما السلام .

( 3 ) - في المصدر : ( تتبع ) في جميع المواضع .


في جوف بيته ) ( 1 ) .

( ولا يغتب بعضكم بعضا ) : ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته .

سئل عن الغيبة فقال : ( هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل ( 2 ) ، وتبث عليه أمرا قد

ستره الله عليه ، لم يقم عليه فيه حد ) ( 3 ) .

التالي ص 105/176 — الأصلية 1 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...