الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 27 من 176

صفحة
[صفحة 1]
[ مكية وهي سبع وسبعون آية ] ( 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم

تبارك الذي : تكاثر خيره ، من البركة وهي كثرة الخير . نزل الفرقان على

عبده . سبق تفسير الفرقان في آل عمران ( 2 ) . ليكون العبد أو الفرقان للعالمين

نذيرا : للجن والأنس منذرا ، أو إنذارا ، كالنكير بمعنى الإنكار .

الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا كما زعمه النصارى ولم

يكن له شريك في الملك كما يقوله الثنوية وخلق كل شئ فقدره تقديرا . قال :

( هو وضع الحدود من الآجال والأرزاق ، والبقاء والفناء ) ( 3 ) .

واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون لأن عبدتهم ينحتونهم

ويصورونهم ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا : دفع ضر ولا جلب نفع ولا

يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا : ولا يملكون إماتة أحد ولا إحياءه أولا وبعثه ثانيا .

وقال الذين كفروا إن هذا يعنون القرآن إلا إفك : كذب مصروف عن وجهه .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - ذيل الآية : 4 .

( 3 ) - القمي 1 : 24 ، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام .


قال : ( الإفك : الكذب ) ( 1 ) . افتراه وأعانه عليه قوم آخرون . قال : ( يعنون أبا فهيكة وحبرا

وعداسا وعابسا ، مولى حويطب ) ( 2 ) . فقد جاءوا ظلما وزورا .

وقالوا أساطير الأولين : ما سطره المتقدمون اكتتبها فهي تملى عليه بكرة

وأصيلا . القمي : هو قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة ( 3 ) .

قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض لتضمنه إخبارا عن مغيبات

مستقبلة ، وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار إنه كان غفورا رحيما فلذلك لا

يعاجلكم بعقوبته مع كمال قدرته ، واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا .

وقالوا ما لهذا الرسول : ما لهذا الذي يزعم الرسالة ! . وفيه استهانة وتهكم .

يأكل الطعام كما نأكل ويمشي في الأسواق لطلب المعاش كما نمشي . والمعنى

إن صح دعواه ، فما باله لم يخالف حاله حالنا ! وذلك لعمههم ( 4 ) وقصور نظرهم على

المحسوسات ، فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية ، وإنما هو بأحوال

روحانية ، كما أشير إليه بقوله سبحانه : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله

واحد ) ( 5 ) . لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ليعلم صدقه بتصديق الملك .


( 1 ) - القمي 2 : 111 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - القمي 2 : 111 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف ، من بني عبد الدار ، من قريش : صاحب لواء المشركين

ببدر ، كان من شجعان قريش ووجوهها ومن شياطينها . له اطلاع على كتب الفرس وغيرهم . وهو ابن خالة

النبي صلى الله عليه وآله ، ولما ظهر الإسلام استمر على عقيدة الجاهلية وآذى رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا . وكان إذا جلس النبي

مجلسا للتذكير بالله والتحذير من نقمة الله ، جلس النضر بعده ، فحدث قريشا بأخبار ملوك فارس ورستم

واسفنديار ، ويقول : أنا أحسن منه حديثا ! إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين ! . وشهد وقعة بدر مع مشركي

قريش ، فأسره المسلمون ، وقتلوه بالأثيل - قرب المدينة - بعد انصرافهم من الوقعة . وفي الرواية من يرى أن

النضر لم يقتل صبرا وإنما أصابته جراحة ، فامتنع عن الطعام والشراب ما دام في أيدي المسلمين ، فمات .

الأعلام ( للزركلي ) 8 : 33 .

( 4 ) - العمة : التحير والتردد . الصحاح 6 : 2242 ( عمه ) .

( 5 ) - الكهف ( 18 ) : 110 .


أو يلقى إليه كنز فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش أو تكون له جنة

يأكل منها أي : إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان ، كما للدهاقين والمياسير ،

فيتعيش بريعه ( 1 ) وقال الظالمون . وضع الظالمون موضع ضميرهم ، تسجيلا عليهم

بالظلم فيما قالوه . إن تتبعون إلا رجلا مسحورا : سحر فغلب على عقله .

أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا قال : ( إلى أن

يثبتوا عليك عمى بحجة ) ( 2 ) .

تبارك الذي إن شاء جعل لك في الدنيا خيرا من ذلك ولكن أخره إلى

الآخرة ، لأنه خير وأبقى جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا .

بل كذبوا بالساعة فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية ، فظنوا أن الكرامة إنما

هي بالمال ، وطعنوا فيك بفقرك وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا .

إذا رأتهم : إذا كانت بمرأى منهم من مكان بعيد قال : ( من مسيرة سنة ) ( 3 ) .

سمعوا لها تغيظا : صوت تغيظ وزفيرا .

وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين القمي : مقيدين بعضهم مع بعض ( 4 ) . دعوا

هنالك ثبورا : هلاكا ، أي : يتمنون هلاكا وينادونه .

لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا لأن عذابكم أنواع كثيرة .

قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا .

( لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا ) حقيقا بان


( 1 ) - الريع : النماء والزيادة . الصحاح 3 : 1223 ( ريع ) .

( 2 ) - تفسير الإمام عليه السلام : 506 ، عن النبي صلى الله عليه وآله .

( 3 ) - القمي 2 : 112 ، مجمع البيان 7 - 8 : 163 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - القمي 2 : 112 .


يسأل ، أو سأله الناس بقولهم : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) ( 1 ) . كذا قيل ( 2 ) .

ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول للمعبودين أأنتم أضللتم

عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل .

قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ . في قراءتهم عليهم السلام بضم النون وفتح

الخاء ( 3 ) . من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ، واستغرقوا في

الشهوات حتى نسوا الذكر : حتى غفلوا عن ذكرك ، والتذكر لآلائك ، والتدبر في آياتك

وكانوا قوما بورا : هالكين .

فقد كذبوكم . التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول ، والمعنى :

فقد كذبكم المعبودون بما تقولون : في قولكم . إنهم آلهة ، وهؤلاء أضلونا فما

تستطيعون أي : المعبودون صرفا : دفعا للعذاب عنكم ولا نصرا فيعينكم

عليه ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا .

وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في

الأسواق . جواب لقولهم : ' ' ما لهذا الرسول ' ' . وجعلنا بعضكم لبعض فتنة :

ابتلاء ، ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء ، والمرسلين بالمرسل إليهم ، ومناصبتهم لهم

العداوة وإيذاؤهم لهم ، وهو تسلية للنبي على ما قالوه بعد نقضه . أتصبرون أي : لنعلم

أيكم يصبر وكان ربك بصيرا بمن يصبر ومن لا يصبر .

وقال الذين لا يرجون لقاءنا لكفرهم بالبعث لولا : هلا أنزل علينا

الملائكة فيخبرونا بصدق محمد ، أو يكونون رسلا إلينا أو نرى ربنا فيأمرنا

بتصديقه واتباعه لقد استكبروا في أنفسهم في شأنها وعتوا : وتجاوزوا الحد


( 1 ) - آل عمران ( 3 ) : 194 .

( 2 ) - الكشاف 3 : 84 ، البيضاوي 4 : 90 .

( 3 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 162 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


في الظلم عتوا كبيرا : بالغا أقصى مراتبه ، حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا

عنها ، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية .

يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا :

يستعيذون منهم ، ويطلبون من الله أن يمنع لقاءهم ، وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو

هجوم مكروه .

وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا . قال : ( إن كانت أعمالهم

لأشد بياضا من القباطي ( 1 ) ، فيقول الله عز وجل لها : كوني هباء ، وذلك أنهم كانوا إذا شرع لهم

الحرام أخذوه ) ( 2 ) .

أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا : مكانا يستقر فيه وأحسن مقيلا : مكانا

يؤوى إليه للاسترواح من القيلولة . قال : ( لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقيل أهل الجنة في

الجنة ، وأهل النار في النار ) ( 3 ) .

ويوم تشقق السماء : تتشقق بالغمام : بسبب طلوع الغمام منها ونزل

الملائكة تنزيلا . وقد مر في سورة البقرة ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من

الغمام والملائكة ) ( 4 ) .

الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا .

ويوم يعض الظالم على يديه من فرط الحسرة . القمي : الأول . ( 5 ) يقول يا


( 1 ) - القباطي - بفتح القاف وقد يضم - : ثياب بيض رقيقة من كتان تجلب من مصر . واحدها : قبطيى ، نسبة إلى

القبط ، وهم أهل مصر ، الصحاح 3 : 1151 ، مجمع البحرين 4 : 266 ( قبط ) .

( 2 ) - الكافي 5 : 126 ، الحديث : 10 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 167 ، عن ابن عباس وابن مسعود .

( 4 ) - البقرة ( 2 ) : 210 .

( 5 ) - القمي 2 : 113 .


ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا قال : ( عليا وليا ) ( 1 ) .

يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا . القمي : يعني الثاني ( 2 ) .

لقد أضلني عن الذكر . القمي : يعني الولاية ( 3 ) . بعد إذ جاءني وكان

الشيطان القمي : وهو الثاني ( 4 ) . للانسان خذولا .

في حديث أمير المؤمنين عليه السلام : ( ولئن تقمصها دوني الأشقيان ، ونازعاني فيما ليس

لهما بحق ، وركباها ضلالة ، واعتقداها جهالة ، فلبئس ما عليه وردا ، ولبئس ما لأنفسهما

مهدا ( 5 ) ، يتلاعنان في دورهما ، ويتبرأ كل منهما من صاحبه ( 6 ) ، يقول لقرينه إذا التقيا : ( يا ليت

بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) ( 7 ) فيجيبه الأشقى على وثوبه ( 8 ) : يا ليتني لم أتخذك

خليلا ، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جائني ، وكان الشيطان للإنسان خذولا ، فأنا الذكر

الذي عنه ضل ، والسبيل الذي عنه مال ، والأيمان الذي به كفر ، والقرآن الذي إياه هجر ،

والدين الذي به كذب ، والصراط الذي عنه نكب ) ( 9 ) .

وقال : ( إن الله ورى أسماء من اغتر وفتن خلقه وضل وأضل ، وكنى عن أسمائهم في

هاتين الآيتين ) ( 10 ) .

وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القران مهجورا بأن تركوه

وصدوا عنه .


( 1 ) - القمي 2 : 113 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 2 ) - القمي 2 : 113 .

( 3 ) - القمي 2 : 113 .

( 4 ) - القمي 2 : 113 .

( 5 ) - في المصدر : ( مهدا ) .

( 6 ) - في ( ألف ) : ( تبرأ كل منهما صاحبه ) . وفي المصدر : ( يتبرأ كل واحد منهما من صاحبه ) .

( 7 ) - الزخرف ( 43 ) : 38 .

( 8 ) - في المصدر : ( على رثوثة ) .

التالي ص 27/176 — الأصلية 1 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...