كمال الدين و تمام النعمة

الشيخ الصدوق · كمال الدين و تمام النعمة الجزء الثاني 2 · صفحة القارئ 266 من 349 · الصفحة الأصلية 598

صفحة
[صفحة 598]

اسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُ فَهَرَبَ وَ سَاقَ امْرَأَتَهُ وَ أَوْلَادَهُ صِغَاراً فَأَلْجَأَهُ الطَّلَبُ عِنْدَ الْمَسَاءِ إِلَى أَجَمَةٍ عَلَى شَاطِئِ النَّهَرِ فَدَخَلَهَا مَعَ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ وَ سَيَّبَ دَوَابَّهُ مَخَافَةَ أَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ بِصَهِيلِهَا فَبَاتُوا فِي الْأَجَمَةِ وَ هُمْ يَسْمَعُونَ وَقْعَ حَوَافِرِ الْخَيْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَأَصْبَحَ الرَّجُلُ لَا يُطِيقُ بَرَاحاً وَ أَمَّا النَّهَرُ فَلَا يَسْتَطِيعُ عُبُورَهُ وَ أَمَّا الْفَضَاءُ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ لِمَكَانِ الْعَدُوِّ فَهُمْ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ قَدْ آذَاهُمُ الْبَرْدُ وَ أَهْجَرَهُمُ الْخَوْفُ وَ طَوَاهُمُ الْجُوعُ وَ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ وَ لَا مَعَهُمْ زَادٌ وَ لَا إِدَامٌ وَ أَوْلَادُهُ صِغَارٌ جِيَاعٌ يَبْكُونَ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي قَدْ أَصَابَهُمْ فَمَكَثَ بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ إِنَّ أَحَدَ بَنِيهِ مَاتَ فَأَلْقَوْهُ فِي النَّهَرِ فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْماً آخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ إِنَّا مُشْرِفُونَ عَلَى الْهَلَاكِ جَمِيعاً وَ إِنْ بَقِيَ بَعْضُنَا وَ هَلَكَ بَعْضُنَا كَانَ خَيْراً مِنْ أَنْ نَهْلِكَ جَمِيعاً وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُعَجِّلَ ذِبْحَ صَبِيٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ فَنَجْعَلَهُ قُوتاً لَنَا وَ لِأَوْلَادِنَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْفَرَجِ فَإِنْ أَخَّرْنَا ذَلِكَ هَزَلَ الصِّبْيَانُ حَتَّى لَا يُشْبِعَ لُحُومُهُمْ وَ نَضْعُفُ حَتَّى لَا نَسْتَطِيعَ الْحَرَكَةَ إِنْ وَجَدْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَ طَاوَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَذَبَحَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ وَ وَضَعُوهُ بَيْنَهُمْ يَنْهَشُونَهُ فَمَا ظَنُّكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ بِذَلِكَ الْمُضْطَرِّ أَكْلَ الْكَلْبِ الْمُسْتَكْثِرِ يَأْكُلُ أَمْ أَكْلَ الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَقِلِّ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ بَلْ أَكْلَ الْمُسْتَقِلِّ قَالَ الْحَكِيمُ كَذَلِكَ أَكْلِي وَ شُرْبِي يَا ابْنَ الْمَلِكِ فِي الدُّنْيَا.


فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمَلِكِ أَ رَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ أَ هُوَ شَيْ‏ءٌ نَظَرَ النَّاسُ فِيهِ بِعُقُولِهِمْ وَ أَلْبَابِهِمْ حَتَّى اخْتَارُوهُ عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنْفُسِهِمْ أَمْ دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَأَجَابُوا قَالَ الْحَكِيمُ عَلَا هَذَا الْأَمْرُ وَ لَطُفَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَوْ بِرَأْيِهِمْ دَبَّرُوهُ وَ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَدَعَوْا إِلَى عَمَلِهَا وَ زِينَتِهَا وَ حِفْظِهَا وَ دَعَتِهَا وَ نَعِيمِهَا وَ لَذَّتِهَا وَ لَهْوِهَا وَ لَعِبِهَا وَ شَهَوَاتِهَا وَ لَكِنَّهُ أَمْرٌ غَرِيبٌ وَ دَعْوَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَاطِعَةٌ وَ هُدًى مُسْتَقِيمٌ نَاقِضٌ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا أَعْمَالَهُمْ مُخَالِفٌ لَهُمْ عَائِبٌ عَلَيْهِمْ وَ طَاعِنٌ نَاقِلٌ لَهُمْ عَنْ أَهْوَائِهِمْ دَاعٍ لَهُمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَ إِنَّ ذَلِكَ لَبَيِّنٌ لِمَنْ تَنَبَّهَ مَكْتُومٌ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ الْحَقَّ بَعْدَ خَفَائِهِ وَ يَجْعَلَ كَلِمَتَهُ الْعُلْيَا وَ كَلِمَةَ الَّذِينَ جَهِلُوا السُّفْلَى.


التالي ص 266/349 — الأصلية 598 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...