مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام

حافظ رجب البرسي · مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام · الصفحة الأصلية 209 / داخلي 205 من 380

[صفحة 209]

____________

فهو كان يعلم الجواب، و لكن يريد أن يغرز في نفوسهم فكرة الوحي من السماء.


قال تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏ طه: 114.


فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبل أن ينقضي الوحي من السماء عليه، كان مستعدا أن يقرأ على الناس القرآن، بل تقدم علمه للقرآن منذ عالم الأنوار.


و نسبة العجلة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن المراد بها حتى أن التوقيت غير مناسب، بل لإبراز أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعلم بالقرآن و آياته قبل أن ينزل عليه جبرائيل، و بالتالي تكون الآية دليلا على ما نذكره و ذكرناه سابقا أن جبرائيل كان يذكره بالقرآن تذكيرا لا يجتمع مع النسيان.


إن قيل: يحتمل في الآية أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يستعجل بالقرآن فيتلو الآية الأولى أو مطلعها قبل أن يكملها جبرائيل أو قبل أن ينتهي من السورة.


قلنا: فعل النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) هذا إما مع التفاته إلى بقية الآيات التي يكملها جبرائيل، و إما مع عدم التفاته لها.


فعلى الأول لا معنى للنهي عن العجلة.


و على الثاني يكون النبي مفوتا للوحي و مضيّعا لبعض الآيات، و لا قائل به إلّا من سفه قوله.


قال الشيخ الطبرسي في الآية: لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كرّرها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة، ألهاهم حبّ العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه و تقرير (مجمع البيان: 10/ 603 مورد الآية- القيامة: 16).


و قال سيد المفسرين: و يؤول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد، لأن عندك علما في الجملة، لكن لا تكتف به و اطلب من اللّه علما جديدا بالصبر و استماع بقية الوحي. و هذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلو لا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى (تفسير الميزان: 14/ 215 مورد الآية- طه: 114).


و قد أبطل السيد الطباطبائي نسبة عجلة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في القراءة قبل انتهاء جبرائيل.


(تفسير الميزان: 20/ 110 مورد الآية- القيامة: 16).


* أقول: عندي أن معنى الآية: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقرأ القرآن على الناس أو كان يبلغ بعض أحكامه و معانيه للناس مرة واحدة، و ذلك قبل أن ينزل الوحي عليه به و قبل أن ينقضي إليه، فجاء الخطاب الإلهي ليقول: لا تعجل في تبليغ القرآن، و أبلغه للناس حتى قبل نزول جبرائيل به، أبلغهم إياه بالتأني ليفهموه و يعملوا به، و لك أن تقرأه عدة مرات على الناس و لا داعي للعجلة و الاقتصار على المرة، فإن قلوبهم لم تلن بعد، و اشكر اللّه و قل ربّ زدني علما لما أتاك علم القرآن قبل أن ينزل به جبرائيل.


و بذلك ننفي محذور نسبة العجلة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله).


التالي الأصلية 209داخلي 205/380 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...