مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام

حافظ رجب البرسي · مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام · صفحة 45 من 388

صفحة
[صفحة 46]

«لولاك لما خلقت الأفلاك» (1) فعلم أن صدور الأفعال عن الصفات، و صدور الصفات عن الذات، و الصفة التي هي إمام الصفات في ظهور الموجودات، هي الحضرة المحمّدية فهي عين الوجود و شرف الموجود و هي النقطة الواحدة التي هي صفة الأحد و الجمال، الصادرة عن الجلال، و النور المبتدع من سحاب العظمة المشعشع من فيض قدس الرحمة و هي عرش النور و الكتاب المسطور و اللوح المحفوظ و أوّل الظهور، و ختم الأيام و الدهور.


يؤيّد ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه سئل: هل رأيت في الدنيا رجلا؟ فقال:


رأيت رجلا و أنا إلى الآن أسأل عنه. فقلت له: من أنت؟


فقال: أنا الطين. فقلت: من أين؟


فقال: من الطين. فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى الطين. فقلت: من أنا؟


فقال: أبو تراب. فقلت: أنا أنت. فقال: حاشاك، حاشاك، هذا من الدين في الدين، أنا أنا، و أنا أنا، أنا ذات الذوات، و الذات في الذوات الذات، فقال: عرفت. فقلت نعم. فقال:


فامسك.


فأقول: في حل هذا الرمز الشريف إشارة إلى خطاب عالم اللاهوت مع عالم الناسوت، و هو الروح للجسد ليبيّن للناس الفرق بين هيكل قدسه و سرّ نفسه، فقوله: رأيت رجلا، و أنا أسأل إلى الآن عنه. و ذلك لأن الروح لم تزل لها تعلّق بالجسد و نظر إليه لأنه بيت غربتها، و مسكن كربتها، و مركب سيرها، و سرير تحصيلها، و الثاني أن العارف أبدا يجب عليه أن يعرف الفرق بين مقام التراب و سرّ ربّ الأرباب، لأنّه إذا عرف نفسه عرف ربّه، لأنّه إذا عرف نفسه بالحدوث، و الفقر، و المسكنة؛ عرف ربّه بالعزّة و الكبرياء، و العظمة. و قوله: أنا الطين، إشارة إلى أن العارف، لم يزل في مقام الفقر و الإقرار بالحدوث و العجز. و قوله: من أنا؟ لما أقر الجسد بالمعرفة، و الحدوث و الإمكان، و الموت، و الرجوع إلى عنصره و معدنه، و تلاشيه و تحلله بعد تركيبه.


و قوله: أنت أبو تراب، يشير به إلى معنيين: خاص، و عام. فالأوّل معناه أن المراد من الأب المربّي و المرشد، و الروح قيم هذا الجسد و مربيه؛ و الثاني أن أبا تراب هو الماء، و المراد به:


____________


(1) الفوائد المجموعة: 326، و جامع الأسرار: 381 ح 758.

التالي ص 45/388 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...