لعدة من أصحاب الأئمة عليهم الصلاة والسلام · الأصول الستة عشر · الصفحة الأصلية 39 / داخلي 35 من 412
»»
[صفحة 39]
و بهذا يظهر أنّ الذين ذهبوا إلى تضعيف الأخبار اعتمادا على الظنون تركوا عمل الطائفة و خرجوا عن الاعتدال، لذلك نرى أنّ أغلب الذين ذهبوا إلى هذه النظريات خالفوا عمل أجلّاء الطائفة، فكثير ممّن ورد تضعيفهم في كتب الرجال- و الذي تلقّاه الكثير بمعنى عدم حجّية أخبارهم- رويت أخبارهم من قبل أجلّاء الطائفة، و هو أكبر دليل على تخطئة هذه الفكرة؛ فبعض هذه التضعيفات كانت أخبار آحاد و لم تصدر من أفراد أذكياء و معتدلين، و على فرض صحّتها فهي لا تعني عدم حجّية جميع ما يروونه. على أنّه توجد في أغلب الأعصار خطوط فكرية و اجتماعية تثير نيران العصبيّة بين الضعفاء، ممّا تسبّب تضعيف كلّ من يخالف رأيهم، و إن كان الحقّ- في الغالب- هو الذي يذهب الجمهور إليه، و لكن وجود بعض المعايب في الأشخاص لا يقتضي سلب الإيمان و العدالة عنهم فورا؛ لذا يجب العمل في مثل هذه المسائل بما بيّنه الإمام (عليه السّلام)- لما سألوه عن كتب بني فضّال و رواياتهم- بقوله: «خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا» (1). و تخطئة بعض هذه الأفكار في الرجال لا تعني حجّية جميع الأخبار و لم يقل بذلك أحد من أجلّاء المتقدّمين، و إن سرت هذه الشبهة إلى أذهان بعض المتأخّرين؛ و ذلك لقلّة اطلاعهم- بل تعني أنّه عند مواجهة الأخبار يجب السير على اصول ثابتة و مسلّمة، و هي التي وردت في أحاديث العترة (عليهم السّلام)، و هذه الاصول تجري في حقّ رواية جميع الرواة حتّى الذين لم يغمز فيهم، و لا تنحصر في حقّ جماعة خاصة؛ فليس كلّ ما ورد عن أبي بصير أو محمّد بن مسلم أو زرارة رحمهم اللّه حجّة مطلقا في مقام العمل.
فتبيّن أنّه لا يمكن الاعتماد على بعض هذه التضعيفات و الأقوال الشاذّة في الرجال بوجه، خصوصا إذا كانت معارضة بعمل الأصحاب. و كم أحدثت مثل هذه النظريات الشاذّة من المشاكل في المجامع العلمية! و كم شوّهت صورة بعض المسائل
____________
(1) الغيبة للطوسي: ص 390، ح 355، عن الإمام العسكري (عليه السّلام).