ابن شعبة الحراني · تحف العقول عن أل الرسول · صفحة 76 من 742
صفحة
[صفحة 76] واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة وأنك في منزل قلعة ودار بلغة(1) وطريق إلى الآخرة، إنك طريد الموت الذي لا ينجو [ منه ] هاربه ولابد أنه يدركك يوما، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك فيها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
أي بني أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضى بعد الموت إليه واجعله أمامك حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك (2) ولا يأخذك على غرتك. وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الاليم، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك. وقد نبأك الله عنها ونعت لك نفسها (3) وكشفت عن مساويها، فاياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها (4)، وإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض (5)، يأكل عزيزها ذليلها وكبيرها صغيرها، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل وسلكت بهم طريق العمى (6) وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب فتاهوا في حيرتها (7) وغرقوا في فتنتها. واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها.
فإياك يا بني أن تكون قد شانته كثرة عيوبها، (8) نعم معقلة واخرى مهملة
(1) القلعة - بالضم فالسكون - أى لا يصلح للاستيطان والاقامة، يقال: منزل قلعة أى لا يملك لنازله ويقلع عنه ولا يدرى متى ينتقل عنه.
والبلغة: ما يبلغ به من العيش والمراد أنها دار تؤخذ فيها الكفاية للاخرة.
(2) الحذر - بالكسر -: الاحتراز والاحتراس.
والغرة - بالكسر فالتشديد -: الغفلة.
(3) النعى: الاخبار بالموت والمراد أن الدنيا تخبر بحالها من التغير والتحول عن فنائها.
(4) التكالب، التواثب وتكالبهم عليها أى شديد حرصهم عليها.
(5) ضارية: مولعة بالافتراس.
يهر أى يكره أن ينظر بعضها بعضا ويمقت.
(6) العمى والعماءة: الغواية.
(7) فتاهوا أى ضلوا الطريق.
والحيرة: التحير والتردد.
(8) الشين: ضد الزين.
أى إياك أن تكون الذى شانته كثرة عيوب الدنيا.
وعقل البعير بالتشديد شد وظيفه إلى ذراعه.
والنعم - محركة -: الابل أى أهلها على قسمين قسم كأبل منعها عن الشر عقالها وهم الضعفاء وأخرى مهملة تأتى من السوء ما تشاء وهم الاقوياء.