الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي · كتاب الهداية · الصفحة الأصلية 3 / داخلي 1 من 73
»»
كتاب الهداية
تأليف
الشيخ الصدوق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له الخلق والامر وهو أحسن الخالقين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الابرار أجمعين.
1 - باب ما يجب ان يعتقد في التوحيد من معانى اخبار النبى والائمة (صلوات الله عليهم)
قال الشيخ الجليل أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الفقيه القمي مصنف هذا الكتاب: يجب أن يعتقد أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيئ لا يحد ولا يحس ولا يجس،(1) ولا يدرك بالاوهام والابصار ولا تأخذه سنة ولا نوم، شاهد كل نجوى ومحيط بكل شئ لا يوصف بجسم ولا صورة ولا جوهر ولا عرض ولا سكون ولا حركة ولا صعود ولا هبوط ولا قيام ولا قعود ولا ثقل ولا خفة ولا جيئة ولا ذهاب ولا مكان ولا زمان ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا فوق ولا أسفل ولا يمين ولا شمال ولا وراء ولا أمام، وأنه لم يزل ولا يزال سميعا بصيرا حكيما عليما حيا قيوما قئوسا عزيزا أحدا فردا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه شيئ ليس كمثله شيئ، وخارج من الحدين: حد الابطال وحد التشبيه(2)، خالق كل شيئ، لا إله إلا هو، لا تدركه الابصار وهو يدرك
(1) الاول بالحاء المهملة من الحس، والثانى بالمعجمة من الحبس بمعى المس: اى ليس هو بمحسوس ولا ممسوس.
(2) الابطال: الاعتقاد بشئ في حقه تعالى يؤل إلى سلب الذاب أو شيئ من الصفات، ويعبر عنه بالتعطيل.
والتشبيه: اثبات شيئ له بالمعنى الذى ثبت في المخلوق، وعلى نحو ما ثبت له والخروج من الحدين هو ان يقال: شيئ لا كالاشياء، عالم لا كعلم أحدنا بشيئ، وهكذا كما يأتى فيما رواه عن على (عليه السلام).
(*)
[صفحة 3] الابصار، وهو اللطيف الخبير(1). وأن الجدال منهي عنه(2) لانه يؤدي إلى ما لا يليق به، وقد سئل (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " وإن إلى ربك المنتهى " قال: إذا انتهى الكلام إلى الله عزوجل فاسكتوا، وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: تكلموا في خلق الله ولا تكلموا في الله(3)، فان الكلام في الله عزوجل لا يزيد إلا تحيرا.
(1) قال الصدوق في رسالة الاعتقادات بعد ان ذكر نحوا مما ذكر: ما نصه " من قال: بالتشبيه فهو مشترك، ومن نسب إلى الامامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب، وكل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل، وان وجد في كتب علمائنا فهو مدلس، والاخبار التى يتوسمها الجهال تشبيها لله تعالى بخلقه، وفمعانيها محمولة على ما في القرآن من نظائرها " ثم اورد آيا من الذكر الحكيم، ظاهرها نسبة الوجه، أو اليد، أو الساق، أو الجنب، أو الروح، أو القيضة، أو اليمين، أو المجئ، أو النفس، أو المكر والخدعة ونحو ذلك إلى الله تعالى، وبين معانيها، ثم قال: " وليس يرد في الاخبار التى يشنع بها أهل الخلاف والالحاد، الا بمثل هذه الالفاظ، ومعانيها معانى الفاظ القرآن " انظر في ذلك اول كتاب " تصحيح الاعتقاد " للمفيد رحمه الله.
(2) انظر ص 26 ط تبريز من " تصحيح الاعتقاد، والآية: النجم 43.
(3) يعنى التكلم في ذاته وصفاته، والبحث عن حقيقتها، والسر في هذا النهى ما اومأ اليه بقوله: " فان الكلام في الله لا يزيد الا تحيرا "، وتوضيحه انه تعالى لم يضع في العقول ما تنال به إلى كهه ولم يطرق للافهام سبيلا اليه، فهو متعالعن اصابة الاوهام والافكار اياه، فكلما انتهى اليه العقل بعد البحث والجدال والجد البالغ منتهاه، فهو غيره تعالى، ويكون من سنخ العاقل ومن مخترعاته والمخلوق لا يرى ولا يدرك الا ما يسانخه ويشابهه، وهذا باب عظيم من أبواب المعارف الاسلامية ينتفح منه ألف باب، فالاسلام مع ترغيبه البليغ إلى كسب العلم والتفكر والتدبر، يمنع أشد المنع عما لا سبيل العقل اليه، ولا يزيد النظر فيه الا تحيرا وضلالا، ولا يعود منه إلى الامة نفع الا اختلافا وتفريقا.
والذين يخوضون في ذلك ناشطين مبتجين، ويحسبون انهم يحسنون صنعا انما دخلت عليهم الشبهة من حيث زعموا انهم إذا لم يبحثوا عن الله فهم جاهلون به، فكيفت يعتقدون توحيده، ويخضعون لعظمته يسجدون لجلاله؟ وقد غفلوا عن ان العلم بوجود الشئ وعلو مقامه، يغاير اصابة كنهه، والنيل إلى جوهره، والاحاطة بحقيقته وهو أيضا غير مبنى على شيئ منه والذى نقدر عليه ونكلفته به في حقه تعالى هو الاول وطريقه التدبر في الخلق ومطالعة الاثار والايات الافاقية والانفسية وأنا نصف الرجل بالعقل والحكمة ولم نر منه الا العمل الصالح والتفكر (*)