تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثامن والعشرون 28 · صفحة 511 من 518
صفحة
[صفحة 407]
و من لا تعلق له بهذا الأمر و هذا منكر يجب على مثل أمير المؤمنين(ع)دفعه و لو كان أمير المؤمنين و طلحة و الزبير و فلان و فلان كارهين لكل ما جرى لما وقع شيء منه و لكانوا متمكنين من دفعه باليد و اللسان و السيف.
فأما قول السائل و كيف يدعى الإجماع و عثمان و شيعته و أقاربه خارجون منه فطريف لأنه إن لم يكن في هذا الإجماع إلا خروج عثمان عنه فبإزائه خروج سعد بن عبادة و ولده و أهله من الإجماع على إمامة أبي بكر ممن يقول خصومنا أنا لا نعتد بهم إذا كان في مقابلته جميع الأمة فأما من كان معه في الدار فلم يكن معه من أهله إلا ظاهر الفسق عدو لله تعالى كمروان بن الحكم و ذويه ممن لا يعتبر بخروجه عن الإجماع لارتفاع الشبهة في أمره أو عبيد أوباش طغام لا يَفْرُقُونَ بين الحق و الباطل و لا يكون خلاف مثلهم قادحا في الإجماع و إذا بلغنا في هذا الباب إلى أن لا نجد منكرا من جميع الأمة إلا عبيد عثمان و النفر من أقاربه الذين حصروا في الدار فقد سهلت القضية و لم يبق فيها شبهة.
و ليس لأحد أن يقول إن هذا طريق إلى إبطال الإجماع في كل موضع و ذلك أنا قد بينا أن الأمر على خلاف ما ظنوه و أن الإجماع يثبت و يصح بطرق صحيحة ليست موجودة فيما ادعوه و لا طائل في إعادة ما مضى (1).
انتهى ملخص تلخيصه (قدّس سرّه) و كلام أصحابنا في هذا الباب كثير لا يناسب ذكره في هذا الكتاب و فيما أوردنا كفاية لأولي الألباب.
تكملة إذا عرفت أن ما ادعوه من الإجماع الذي هو عمدة الدليل على إمامة إمامهم لم يثبت بما أوردوه في ذلك من الأخبار نرجع و نقول نثبت بتلك الأخبار التي أوردوها لإثبات ذلك عدم استحقاقهم للإمامة بل كفرهم و نفاقهم (2) و وجوب
____________
(1) الشافي: 403، تلخيص الشافي 3/ 101.
(2) المراد بالكفر هو معناه اللغوى بمعنى اخفاء الحق و كراهة التسليم له، و الا لم يذكر- (رضوان اللّه عليه)- بعده النفاق: و أول من جبههم بذلك ابن عبّاس على ما ذكره الطبريّ في تاريخه 4/ 223 و أورده الشارح الحميدى في شرحه 3/ 107 برواية اخرى و اللفظ للاول و الزيادات بين العلامتين للثاني، قال: «بينا عمر بن الخطّاب و بعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر، و قال بعضهم فلان أشعر، قال: فأقبلت فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا ابن عبّاس؟ قال:
فقلت زهير بن أبي سلمى، فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت، فقلت:
امتدح قوما من بنى عبد اللّه بن غطفان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم* * * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم* * * طابوا و طاب من الاولاد ما ولدوا
انس إذا أمنوا جن إذا فزعوا* * * مرزءون بها ليل إذا حشدوا
محسدون على ما كان من نعم* * * لا ينزع اللّه منهم ما له حسدوا
فقال عمر: أحسن! و ما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحى من بنى هاشم لفضل رسول اللّه و قرابتهم منه، فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين و لم تزل موفقا، قال: يا ابن عبّاس! ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: ان لم أكن أدرى فأمير المؤمنين يدرينى، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة و الخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لانفسها فأصابت و وفقت.
فقلت: يا أمير المؤمنين- ان تأذن لي في الكلام و تمط عنى الغضب تكلمت، فقال:
تكلم يا ابن عبّاس، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لانفسها فأصابت و وفقت [فان اللّه تعالى يقول: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» و قد علمت يا أمير المؤمنين أن اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار] فلو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه عزّ و جلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود و لا محسود.
و أمّا قولك: انهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة و الخلافة، فان اللّه عزّ و جلّ وصف قوما بالكراهية فقال: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ».
[و أمّا قولك انا كنا نجحف، فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة، و لكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي قال اللّه تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» و قال له: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»].
فقال عمر: هيهات و اللّه يا ابن عبّاس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك منى، فقلت: و ما هي يا أمير المؤمنين؟ فان كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، و ان كانت باطلا فمثلى أماط الباطل عن نفسه.
فقال عمر: بلغني أنك تقول انما صرفوها عنا حسدا و ظلما؟ فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل و الحليم [و أمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو]، و أمّا قولك: حسدا، فان إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون.
فقال عمر: هيهات! أبت و اللّه قلوبكم يا بنى هاشم الا حسدا [حقدا] ما يحول، و ضغثا و غشا ما يزول، فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين! لا تصف قلوب قوم أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا بالحسد [بالحقد] و الغش، فان قلب رسول اللّه من قلوب بنى هاشم [و أمّا قولك حقدا فكيف لا يحقد من غصب شيئه و يراه في يد غيره؟] فقال عمر: اليك عنى يا ابن عبّاس! فقلت: أفعل، فلما ذهبت لا قوم استحيى منى فقال: يا ابن عبّاس مكانك! فو اللّه انى لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا أمير المؤمنين ان لي عليك حقا و على كل مسلم. فمن حفظه فحظه أصاب و من أضاعه فحظه أخطأ [ثم قام فمضى] فقال عمر لجلسائه: واها لابن عبّاس ما رأيته لاحا أحدا قط الا خصمه.
فكما ترى، و قد اعترف به عمر، قد لاحاه و خصمه و جبهه بأنّه غاصب لحق أهل البيت ظالم لهم و أنّه ما رضى باختيار اللّه عزّ و جلّ حيث اختار بنى عبد المطلب على غيرهم ثمّ اختار منهم عليا علما هاديا، بل ردّ اختيار اللّه و اختار لقريش من اختار.
بل جبهه بالكفر حيث استشهد بقوله عزّ و جلّ «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» و معلوم أن «ذلك» اشارة الى ما في الآية قبلها «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» و لعلّ ابن عبّاس ذكر الآيتين كملا و أسقطها الرواة.