بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثالث 3 · صفحة 217 من 539

صفحة
[صفحة 131]

الدَّائِمِ كَحَاجَةِ الْحَيَوَانِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَفْوَاهٌ كَأَفْوَاهِ الْحَيَوَانِ وَ لَا حَرَكَةٌ تَنْبَعِثُ بِهَا لِتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ جُعِلَتْ أُصُولُهَا مَرْكُوزَةً فِي الْأَرْضِ لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى الْأَغْصَانِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَرَقِ وَ الثَّمَرِ فَصَارَتِ الْأَرْضُ كَالْأُمِّ الْمُرَبِّيَةِ لَهَا وَ صَارَتْ أُصُولُهَا الَّتِي هِيَ كَالْأَفْوَاهِ مُلْتَقِمَةً لِلْأَرْضِ‏ (1) لِتَنْزِعَ مِنْهَا الْغِذَاءَ كَمَا يُرْضِعُ أَصْنَافَ الْحَيَوَانِ أُمَّهَاتُهَا أَ لَا تَرَى إِلَى عَمَدِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ كَيْفَ تَمُدُّ بِالْأَطْنَابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِتَثْبُتَ مُنْتَصِبَةً فَلَا تَسْقُطَ وَ لَا تَمِيلَ فَهَكَذَا تَجِدُ النَّبَاتَ كُلَّهُ لَهُ عُرُوقٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي الْأَرْضِ مُمْتَدَّةٌ إِلَى كُلِّ جَانِبٍ لِتُمْسِكَهُ وَ تُقِيمَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَيْفَ كَانَ يَثْبُتُ هَذَا النَّخْلُ الطِّوَالُ وَ الدَّوْحُ الْعِظَامُ فِي الرِّيحِ الْعَاصِفِ فَانْظُرْ إِلَى حِكْمَةِ الْخِلْقَةِ كَيْفَ سَبَقَتْ حِكْمَةَ الصِّنَاعَةِ فَصَارَتِ الْحِيلَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا الصُّنَّاعُ فِي ثَبَاتِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ مُتَقَدِّمَةً فِي خَلْقِ الشَّجَرِ لِأَنَّ خَلْقَ الشَّجَرِ قَبْلَ صَنْعَةِ الْفَسَاطِيطِ وَ الْخِيَمِ أَ لَا تَرَى عَمَدَهَا وَ عِيدَانَهَا مِنَ الشَّجَرِ فَالصِّنَاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِلْقَةِ.


بيان ينسفه بالكسر أي يقلعه و بشم الحيوان بشما من باب تعب اتخم من كثرة الأكل و الكدح العمل و السعي و الشقا الشدة و العسر شقي كرضي و الدوح بفتح الدال و سكون الواو جمع الدوحة و هي الشجرة العظيمة.

تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ خَلْقَ الْوَرَقِ فَإِنَّكَ تَرَى فِي الْوَرَقَةِ شِبْهَ الْعُرُوقِ مَبْثُوثَةً فِيهَا أَجْمَعَ فَمِنْهَا غِلَاظٌ مُمْتَدَّةٌ فِي طُولِهَا وَ عَرْضِهَا وَ مِنْهَا دِقَاقٌ تَتَخَلَّلُ الْغِلَاظَ مَنْسُوجَةٌ نَسْجاً دَقِيقاً مُعْجَماً لَوْ كَانَ مِمَّا يُصْنَعُ بِالْأَيْدِي كَصَنْعَةِ الْبَشَرِ لَمَا فُرِغَ مِنْ وَرَقِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَامٍ كَامِلٍ وَ لَاحتِيجَ إِلَى آلَاتٍ وَ حَرَكَةٍ وَ عِلَاجٍ وَ كَلَامٍ فَصَارَ يَأْتِي مِنْهُ فِي أَيَّامٍ قَلَائِلَ مِنَ الرَّبِيعِ مَا يَمْلَأُ الْجِبَالَ وَ السَّهْلَ وَ بِقَاعَ الْأَرْضِ كُلَّهَا بِلَا حَرَكَةٍ وَ لَا كَلَامٍ إِلَّا بِالْإِرَادَةِ النَّافِذَةِ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ الْأَمْرِ الْمُطَاعِ وَ اعْرِفْ مَعَ ذَلِكَ الْعِلَّةَ فِي تِلْكَ الْعُرُوقِ الدِّقَاقِ فَإِنَّهَا جُعِلَتْ تَتَخَلَّلُ الْوَرَقَةَ بِأَسْرِهَا لِتَسْقِيَهَا وَ تُوصِلَ الْمَاءَ إِلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوقِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْبَدَنِ لِتُوصِلَ الْغِذَاءَ إِلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَ فِي الْغِلَاظِ مِنْهَا مَعْنًى آخَرُ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ الْوَرَقَةَ بِصَلَابَتِهَا وَ مِتَانَتِهَا لِئَلَّا


____________


(1) التقم الطعام: ابتلعه أو في مهلة.

التالي ص 217/539 — الأصلية 131 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...