تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثالث 3 · صفحة 317 من 539
صفحة
[صفحة 177]
مبنيّ على أحد أمرين الأول ما يحكم به الوجدان من أن العلم بدقائق حركات هذه الكواكب و خواص آثارها و المناسبة بينها و بين ما هي علامة لحدوثها لا يتأتّى إلا لخالقها الذي جعلها كذلك أو من ينتهي علمه إليه و معلوم أن ما هو الحق من هذه العلوم إنما وصل إلى الخلق من الأنبياء كما اعترفوا به و لما لم يحيطوا بجميع ذلك و ضاع عنهم بعض ما استفادوا من الأنبياء(ع)أيضا فلذا ترى الرياضيين يتحيرون في بعض الحركات التي لا تستقيم على أصولهم و يسمونها ما لا ينحل و ترى المنجمين يخطئون في كثير من أحكامهم لذلك ثم ذكر(ع)على سبيل التنزل أنه لو سلمنا أنه يمكن أن يتيسر ذلك لمخلوق من البشر فلا يتأتّى ذلك إلا لمن كان معها في حركاتها و يعاشرها مدة طويلة ليعلم كيفية حركاتها و جرب بكثرة المعاشرة خواصها و آثارها.
و الثاني أن يكون المراد أنك إذا اعترفت أن كل الخلق يولدون بهذه النجوم فلا يكون أحد منهم علة لها و لآثارها لتقدمها عليهم و لا شك في أنه لا بد من حكيم عالم بجميع الأمور قادر عليها أسّس ذلك الأساس و بنى عليها تلك الآثار و الأحكام التي أمكن للخلق بها استعلام ما لم يأت من الأمور فقد أقررت بالصانع فهو أول عالم بهذا العلم لا الحكيم الذي تزعم أنه يولد بتلك النجوم (1) و يحتمل أن يكون المقصود من الكلام الإشارة إلى كلا الدليلين كما لا يخفى بعد التأمّل قوله(ع)مواضعها من السماء أي عند كونها فوق الأرض و مواضعها تحت الأرض أي بعد غروبها و استتارها عنا بالأرض قوله(ع)إلا بمن في السماء أي بمن أحاط علمه و قدرته و حكمه بالسماء و ما فيها قوله(ع)فأنا أقول قولك أي أنا أعتقد ما قلت من أن الحكماء الذين تزعمهم عالمين به لم يرقوا إلى السماء أو أعتقد أنه لا يمكنهم أن يرقوا إلى السماء بأنفسهم بدون تعلق إرادة الرب تعالى به و مع ذلك فإن سلمناه فلا يكفي محض الصعود للإحاطة بذلك قوله(ع)مع كل برج أي فيه أو بالحركة السريعة قوله(ع)في ثلاثين سنة و هو زحل و هو أبطأ السيارات و إنما لم يتعرض(ع)للثوابت مع
____________
(1) و بعبارة اخرى إنك بعد ما اعترفت بأن جميع الناس يولدون بهذه النجوم و لم يمكن أن يولد أحد من أهل الأرض الا بهذه النجوم لأنّها علته، فقد اعترفت بأن واضع هذه النجوم غير أهل الدنيا لانهم معلولون لها، و هذا تسليم و اذعان منك بالصانع تعالى.