تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثالث 3 · صفحة 390 من 539
صفحة
[صفحة 212]
و اختلفوا في المزاج و الخلاص فزعم بعضهم أن النور دخل الظلمة و الظلمة تلقاه بخشونة و غلظ فتأذى بها و أحب أن يرققها و يلينها ثم يتخلص منها و ليس ذلك لاختلاف جسمها و لكن كما أن المنشار جنسه حديد و صفيحته لينة و أسنانه خشنة فاللين في النور و الخشونة في الظلمة و هما جنس واحد فيلطف النور بلينه حتى يدخل فيما بين تلك الفرج فما أمكنه إلا بتلك الخشونة فلا يتصور الوصول إلى كمال و وجود إلا بلين و خشونة.
و قال بعضهم بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته و درجه فاجتهد النور حتى يتخلص منه و يدفعها عن نفسه اعتمد عليه فلجج فيه و ذلك بمنزلة الإنسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه و التفرد بعالمه.
و قال بعضهم إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها و يستخرج منه أجزاء صالحة لعالمه فلما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور و القبيح اضطرارا لا اختيارا و لو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض و الحسن البحت (1) و فرق بين الفعل الضروري و بين الفعل الاختياري.
الثاني مذهب المانوية أصحاب ماني الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير و ذلك بعد عيسى(ع)أخذ دينا بين المجوسية و النصرانية و كان يقول بنبوة المسيح(ع)و لا يقول بنبوة موسى(ع)حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور و الآخر ظلمة و أنهما أزليان لم يزالا و لن يزالا و أنكر وجود شيء لا من الأصل قديما و زعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين و هما مع ذلك في النفس و الصورة و الفعل و التدبير متضادان و الخير و الشر متحاذيان تحاذي الشخص و الظل و النور جوهره حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر و نفسه خيرة كريمة حليمة نافعة عالمة و فعله الخير و الصلاح و النفع و السرور و الترتيب