دلائل الإمامة

محمد بن جرير الطبري‏ · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 237 / داخلي 226 من 639

[صفحة 237]
فأطرق هشام طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: سل حاجتك.


فقال: خلّفت أهلي و عيالي مستوحشين لخروجي.


فقال: قد آمن اللّه وحشتهم برجوعك إليهم و لا تقم أكثر من يومك. فاعتنقه أبي و دعا له و ودّعه، و فعلت أنا كفعل أبي، ثمّ نهض و نهضت معه.


و خرجنا إلى بابه و إذا ميدان ببابه، و في آخر الميدان أناس قعود عدد كثير، قال أبي: من هؤلاء؟ قال الحجّاب: هؤلاء القسّيسون و الرّهبان، و هذا عالم لهم، يقعد لهم في كلّ سنة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم.


فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه، و فعلت أنا مثل فعل أبي، فأقبل نحوهم حتّى قعد عندهم‏ (1)، و قعدت وراء أبي، و رفع ذلك الخبر إلى هشام، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي، فأقبل و أقبل عدد من المسلمين فأحاطوا بنا، و أقبل عالم النصارى و قد شدّ حاجبيه بحريرة (2) صفراء حتّى توسّطنا، فقام إليه جميع القسّيسين و الرهبان مسلّمين عليه، فجاء إلى صدر المجلس فقعد فيه، و أحاط به أصحابه، و أبي و أنا بينهم، فأدار نظره ثمّ قال لأبي: أمنّا أم من هذه الامّة المرحومة؟


فقال أبي: بل من هذه الامّة المرحومة.


فقال: أمن علمائها أم من جهالها؟ فقال له أبي: لست من جهّالها؟ فاضطرب اضطرابا شديدا، ثمّ قال له: أسألك، فقال له أبي: سل.


فقال: من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يأكلون‏ (3) و يشربون و لا يحدثون و لا يبولون؟ و ما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له أبي: دليل ما ندّعي من شاهد لا يجهل‏ (4) الجنين في بطن امّه يطعم و لا يحدث.


قال: فاضطرب النصراني اضطرابا شديدا ثمّ قال: كلّا، زعمت أنّك لست من علمائها! فقال له أبي: و لا من جهّالها، و أصحاب هشام يسمعون ذلك.


(1) في «ع، م»: نحوهم.

(2) في «ط»: بعصابة.

(3) في «ع» و امان الاخطار و في «م»: نسخة بدل زيادة: يطعمون.

(4) في «ط»: قال أبي: الدليل الذي لا ينكر مشاهدة.
التالي الأصلية 237داخلي 226/639 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...