محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 61 / داخلي 53 من 639
صفحة
[صفحة 61] العمران فما الذي أسعدهم؟ قال: لا علم لي بذلك.
قال يا دهقان، أظنّك حكمت على اقتران المشتري (1) و زحل (2) لما استنارا لك في الغسق، و ظهر تلألؤ المرّيخ و تشريقه في السّحر، و قد سار فاتّصل جرمه بنجوم (3) تربيع القمر، و ذلك دليل على استخلاف (4) ألف ألف من البشر، كلّهم يولدون اليوم و الليلة، و يموت مثلهم و يموت هذا فإنّه منهم (5)- و أشار إلى جاسوس في عسكره لمعاوية- فلمّا قال ذلك ظنّ الرجل أنّه قال خذوه، فأخذه شيء في قلبه و تكسّرت نفسه في صدره فمات لوقته.
فقال (عليه السلام) للدّهقان: أ لم أرك عين التقدير (6) في غاية التصوير؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال: يا دهقان، أنا مخبرك أنّي و صحبي هؤلاء لا شرقيّون و لا غربيّون، إنّما نحن ناشئة القطب، و ما زعمت البارحة أنّه انقدح من برج الميزان فقد كان يجب أن تحكم معه لي، لأنّ نوره و ضياءه عندي، فلهبه ذاهب (7) عنّي.
يا دهقان: هذه قضية عيص (8)، فاحسبها و ولدها إن كنت عالما بالأكوار و الأدوار، و لو علمت ذلك لعلمت أنّك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة.
و مضى أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)، فهزم أهل النّهروان و قتلهم فعاد بالغنيمة و الظّفر، فقال الدّهقان: ليس هذا العلم بأيدي أهل زماننا، هذا علم مادّته من السماء. (9)
(1) المشتري: أكبر الكواكب السيّارة.
(2) زحل: أبعد الكواكب السيّارة في النظام الشمسي.
(3) في البحار: بجرم.
(4) في البحار: استحقاق.
(5) (فإنّه منهم) أضفناها من البحار.
(6) في البحار: غير التقدير، قال العلامة المجلسي: أي التغيّرات الناشئة من تقديرات اللّه (تعالى)، و عين التقدير:
أي أصله.
(7) في المصدر: ذهب، و ما أثبتناه من البحار.
(8) العيص: الأجمة، أي الشجر الكثير الملتفّ، كأنّه كنّى بها عن تشابكها و صعوبتها، و العيص أيضا: الأصل، و قال في البحار: و في بعض النسخ «عويصة» أي صعبة شديدة.