محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · صفحة القارئ 214 من 639 · الصفحة الأصلية 225
صفحة
[صفحة 225] فلمّا فرغ منها قال: يا غلام، ادخل ذلك البيت و أخرج إلى الكميت بدرة (1)، و ادفعها إليه. فأخرجها و وضعها بين يديه (2).
فقال له: جعلت فداك، إن رأيت أن تأذن لي في اخرى. فقال له: هاتها. فأنشده اخرى، فأمر له ببدرة اخرى، فاخرجت له من البيت.
ثمّ قال له: الثالثة. فأذن له، فأمر له ببدرة ثالثة، فاخرجت له.
فقال له الكميت: يا سيّدي، و اللّه ما انشدك طلبا لعرض من الدنيا، و ما أردت بذلك إلّا صلّة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما أوجبه اللّه عليّ من حقكم.
فدعا له أبو جعفر، ثمّ قال: يا غلام، ردّ هذه البدر في مكانها. فأخذها الغلام فردّها.
قال جابر: فقلت في نفسي: شكوت إليه الحاجة فقال: ما عندي شيء، و أمر للكميت بثلاثين ألف درهم!
و خرج الكميت فقال: يا جابر، قم فادخل ذلك البيت.
قال: فدخلت فلم أجد فيه شيئا، فخرجت فأخبرته، فقال: يا جابر، ما سترنا عنك أكثر ممّا أظهرناه لك.
ثمّ قام و أخذ بيدي فأدخلني ذلك البيت و ضرب برجله الأرض فاذا شبه عنق البعير قد خرج من ذهب (3)، فقال: يا جابر، انظر إلى هذا و لا تخبر به إلّا من تثق به من إخوانك.
يا جابر، إنّ جبرئيل أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غير مرّة بمفاتيح خزائن الأرض و كنوزها، و خيّره من غير أن ينقصه اللّه ممّا أعدّ له شيئا، فاختار التواضع لربّه (عزّ و جلّ)، و نحن نختاره (4).
(1) البدرة: كيس فيه مقدار من المال يتعامل به و يقدّم في العطايا، و يختلف باختلاف العهود، و الغالب أنّه عشرة آلاف درهم.
(2) في «ع، م»: و وضعها عنده.
(3) في «ط»: منها ذهبا.
(4) في «ط»: ينقصه اللّه شيئا مما أعدّ له فاختار تركها و نحن نختار ذلك.