محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 241 / داخلي 230 من 639
صفحة
[صفحة 241] فقال لهم أبي: افتحوا لنا الباب و أنزلونا، و خذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم.
فقالوا: لا نفتح، و لا كرامة لكم حتّى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعا نياعا (1) و تموت داوبّكم تحتكم. فوعظهم أبي فازدادوا عتوا و نشوزا.
قال: فثنى أبي رجله عن سرجه ثمّ قال لي: مكانك- يا جعفر- لا تبرح. ثمّ صعد الجبل المطلّ على مدينة مدين، و أهل مدين ينظرون إليه ما يصنع، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده، ثمّ وضع إصبعيه في اذنيه ثمّ نادى بأعلى صوته:
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً- إلى قوله (عزّ و جلّ)- بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2) نحن و اللّه: بقيّة اللّه في أرضه.
فأمر اللّه (تعالى) ريحا سوداء مظلمة، فهبّت و احتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرجال و النساء و الصبيان (3)، فما بقي أحد من الرجال و النساء و الصبيان إلا صعد السطوح و أبي مشرف عليهم.
و صعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السن، فنظر إلى أبي على الجبل، فنادى بأعلى صوته: اتّقوا اللّه يا أهل مدين، فإنّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب (عليه السلام) حين دعا على قومه، فإن أنتم لم تفتحوا له الباب و لم تنزلوه، جاءكم من اللّه العذاب و أتى عليكم، و قد أعذر من أنذر ففزعوا و فتحوا الباب و أنزلونا.
و كتب العامل (4) بجميع ذلك إلى هشام فارتحلنا في اليوم الثاني، فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيطمره (5)، فأخذوه فطمروه (رحمة اللّه عليه).
و كتب إلى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب، فمضى هشام و لم يتهيّأ له في أبي شيء من ذلك. (6)
163/ 27- و حدّثنا أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أبو العبّاس
(1) النّائع: العطشان، و المتمايل جوعا. «المعجم الوسيط 2: 963».
(2) هود 11: 84- 86.
(3) في «ط» زيادة: و الاماء.
(4) (العامل) ليس في «ع، م».
(5) أي يدفنه، انظر «القاموس المحيط- طمر- 2: 81».
(6) نوادر المعجزات: 127/ 1، الامان من الاخطار: 66، البحار 46: 306/ 1، مدينة المعاجز: 332/ 44.