محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 361 / داخلي 347 من 639
صفحة
[صفحة 361] ثمّ طووا عليه بساطه، و مسحوا أسيافهم، و خرجوا حتّى دخلوا على المأمون، فقال: ما الذي صنعتم؟ فقالوا: ما أمرتنا به يا أمير المؤمنين. و أنا أظنّ أنّهم سيقولون إنّي ما ضربت معهم بسيفي، و لا أقدمت إليه.
قال: فقال: أيّكم كان أسرع إليه بسيفه، قالوا: صبيح الدّيلمي، يا أمير المؤمنين. فجزاني خيرا. ثمّ قال: لا تعيدوا شيئا ممّا جرى فتبخسوا (1) حظّكم منّي، و تعجلوا الفناء، و تخسروا الآخرة و الاولى.
قال: فلمّا كان انبلاج (2) الفجر خرج المأمون فجلس في مجلسه، مكشوف الرأس، محلول الأزرار، و أظهر الحزن، و قعد للتعزية؛ و قبل أن يصل إليه الناس قام حافيا فمشى إلى الدار، لينظر (3) إليه، و أنا بين يديه فلمّا دخل في حجرته سمع همهمة فارتعد، ثمّ قال: من عنده؟
فقلنا: لا علم لنا به يا أمير المؤمنين. قال: أسرعوا. قال صبيح: فأسرعنا إليه فإذا نحن بسيّدي جالس في محرابه، مواصل تسبيحه، فقلنا: يا أمير المؤمنين، هو ذا نرى شخصا جالسا في محرابه يصلّي و يسبّح.
قال: فانتفض المأمون و ارتعد، ثمّ قال: غدرتم، لعنكم اللّه. قال: ثمّ التفت إليّ من بينهم فقال: يا صبيح، أنت تعرفه، فانظر من المصلّي عنده. قال صبيح: فدخلت و ولّى المأمون راجعا، فلمّا صرت بعتبة الباب قال لي: يا صبيح! قلت: لبّيك يا مولاي؛ و سقطت لوجهي.
فقال: قم رحمك اللّه، فارجع و قل له: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (4) فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل المظلم، فقال لي: يا صبيح، ما وراءك؟