محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 490 / داخلي 472 من 639
صفحة
[صفحة 490] صلبه، و تقوّس منكباه و تثفّنت (1) جبهته و راحتاه، و هو يقول لآخر معه عند القبر: يا ابن أخي، لقد نال عمّك شرفا عظيما بما حمّله السيّدان من غوامض العبرات، و شرائف العلوم التي لا يحتمل مثلها إلّا سلمان الفارسي (رضي اللّه عنه)، و قد أشرف عمّك على استكمال المدّة و انقضاء العمر، و ليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسره.
قلت: يا نفس، لا يزال العناء و المشقّة ينالان منك باتعابي (2) الخفّ و الحافر في طلب العلم، و قد قرعت سمعي من الشيخ لفظة تدلّ على علم جسيم، و أثر عظيم.
فقلت: يا شيخ، من السيّدان؟
قال: النجمان المغيّبان (3) في سرّ من رأى.
فقلت: فإنّي اقسم بالولاية، و شرف محلّ هذين السيّدين من الإمامة و الوارثة، إنّي خاطب علمهما، و طالب آثارهما، و باذل من نفسي الأيمان المؤكّدة على حفظ أسرارهما.
فقال: إن كنت فيما تقول صادقا، فاحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم. فلمّا نشرت الكتب، و تصفّح الروايات منها، قال: صدقت، أنا بشر (4) بن سليمان النخّاس، من ولد أبي أيّوب خالد بن زيد الأنصاري، أحد موالي أبي الحسن و أبي محمّد (عليهما السلام)، و جارهما بسرّمنرأى.
قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما.
قال: فإنّ مولانا أبا الحسن عليّ بن محمّد العسكري (عليه السلام) فقّهني في أمر الرقيق، فكنت لا أبتاع و لا أبيع إلّا بإذنه، فأتجنّب بذلك موارد الشّبهات، حتّى كملت معرفتي و أحسنت الفرق بين الحلال و الحرام.
فبينا أنا ذات ليلة في منزلي بسرّمنرأى، و قد مضى هويّ (5) منها، إذ قرع
(1) في «ع، م»: و تنقبت.
(2) في «ط»: ما لقاني، و في «ع، م»: فالقاني.
(3) في «ع»: البحران المغيبان، و في «م»: البحران المعينان.