محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · صفحة القارئ 482 من 639 · الصفحة الأصلية 500
صفحة
[صفحة 500] تقوم فتقبّل جبهتي فأقبّل رأسها، و تقبّل (1) يدي فأقبّل رجلها، و تمدّ يدها إلى خفّي لتنزعه فأمنعها من ذلك، فأقبّل يدها إجلالا و إكراما للمحلّ الذي أحلّه اللّه (تعالى) فيها، فمكثت بعد ذلك إلى أن مضى أخي أبو الحسن (عليه السلام)، فدخلت على أبي محمّد (عليه السلام) ذات يوم فقال: يا عمّتاه، إنّ المولود الكريم على اللّه و رسوله (2) سيولد ليلتنا هذه.
فقلت: يا سيّدي، في ليلتنا هذه؟ قال: نعم. فقمت إلى الجارية فقلّبتها ظهرا لبطن، فلم أر بها حملا، فقلت: يا سيّدي، ليس بها حمل. فتبسّم ضاحكا و قال: يا عمّتاه، إنّا معاشر (3) الأوصياء ليس يحمل بنا في البطون، و لكنّا نحمل في الجنوب.
فلمّا جنّ الليل صرت إليه، فأخذ أبو محمّد (عليه السلام) محرابه، فأخذت محرابها فلم يزالا يحييان الليل، و عجزت عن ذلك فكنت مرّة أنام و مرّة أصلّي إلى آخر الليل، فسمعتها آخر الليل في القنوت، لمّا انفتلت من الوتر مسلّمة، صاحت: يا جارية، الطست. فجاءت بالطست فقدمته إليها فوضعت صبيا كأنّه فلقة قمر، على ذراعه الأيمن مكتوب: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (4). و ناغاه ساعة حتّى استهلّ، و عطس، و ذكر الأوصياء قبله، حتّى بلغ إلى نفسه، و دعا لأوليائه على يده بالفرج.
ثمّ وقعت ظلمة بيني و بين أبي محمّد (عليه السلام)، فلم أره، فقلت: يا سيّدي، أين الكريم على اللّه؟ قال: أخذه من هو أحقّ به منك. فقمت و انصرفت إلى منزلي، فلم أره.
و بعد أربعين يوما دخلت دار أبي محمّد (عليه السلام). فإذا أنا بصبي يدرج في الدار، فلم أر وجها أصبح (5) من وجهه، و لا لغة أفصح من لغته، و لا نغمة أطيب من نغمته،