محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · صفحة 665 من 1064
صفحة
[صفحة 380] و أشرفنا على الهلاك بالتنويه على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، و لكنّا نحتاج إلى أن نضع منه قليلا قليلا حتّى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحقّ هذا الأمر، ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنّا موادّ بلائه.
قال الرجل: يا أمير المؤمنين، فولّني مجادلته، فإنّي افحمه و أضع من قدره، فلو لا هيبتك في صدري لأنزلته منزلته، و بيّنت للناس قصوره عمّا رسخ له في قلوبهم.
قال المأمون: ما (1) شيء أحبّ إلي من ذلك.
قال: فاجمع وجوه أهل مملكتك من القوّاد، و الخاصّة، و القضاة، و الفقهاء لابيّن نقصه بحضرتهم، فيكون تأخيره عن محلّه الذي أحللته فيه، على علم منهم بصواب فعلك.
قال: فجمع الخلق الفاضلين من رعيّته في مجلس له واسع، و قعد فيه لهم، و اقعد الرضا بين يديه في مرتبته التي جعلها له، فابتدأ هذا الحاجب المتضمّن للوضع من الرضا، و قال له: إنّ الناس قد أكثروا الحكايات و أسرفوا في وصفك، فما أرى أنّك إن وقفت عليه إلّا و برئت منه إليهم، و أوّل ذلك أنّك قد دعوت اللّه في المطر المعتاد مجيئه، فجاء، فجعلوه آية معجزة لك، أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا، و هذا أمير المؤمنين- أدام اللّه ملكه و بقاءه- لا يوازن بأحد إلّا رجح، و قد أحلّك المحلّ الذي قد عرفت، فليس من حقّه عليك أن تسوّغ للكذّابين لك فيما يدّعونه.
قال الرضا (عليه السلام): ما أدفع عباد اللّه أن يتحدّثوا بنعم اللّه (عزّ و جلّ)، و إن كنت لا أبغي بذلك بطرا و لا أشرا، و أمّا ذكرك أنّ صاحبك أحلّني هذا المحلّ، فما أحلّني إلّا المحلّ الذي أحلّه ملك مصر يوسف الصدّيق (عليه السلام)، و كانت حالهما ما قد عرفت.
فغضب الحاجب عند ذلك فقال: يا ابن موسى، لقد عدوت طورك، و تجاوزت قدرك أن بعث اللّه مطرا مقدّرا وقته، لا يتقدّم الساعة و لا يتأخّر، جعلته آية تستطيل بها، و صولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم (عليه السلام) لمّا أخذ رءوس الطير بيده و دعا أعضاءها التي فرّقها على الجبال فأتينه سعيا، و تركّبن على الرءوس،