محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · صفحة 859 من 1064
صفحة
[صفحة 492] الأشراف، كتبه بلغة رومية و لفظ رومي، و وصف فيه نبله و كرمه و وفاءه و سخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه و رضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.
قال بشر بن سليمان النخّاس: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولانا أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية. فلمّا نظرت إلى الكتاب بكت بكاء شديدا، و قالت لعمرو بن يزيد النخّاس: بعني من صاحب هذا الكتاب. و حلفت بالمحرجة المغلّظة (1) إنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها. فما زلت اشاحّه (2) في ثمنها حتّى استقرّ الثمن على مقدار ما كان أصحبني مولاي أبو الحسن (عليه السلام) من الدنانير في السبيكة الصفراء، فاستوفاه منّي و تسلّمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة، و انصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولانا أبي الحسن من كمّها و هي تلثمه، و تضعه على خدّها، و تطبقه على جفنها و تمسحه على بدنها، فقلت متعجّبا منها: أ تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟!
فقالت: أيّها العاجز، الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء، أعرني سمعك، و فرّغ لي قلبك، أنا مليكة بنت يسوعا بن قيصر ملك الروم، و امّي (3) من ولد الحواريّين، و نسبي متّصل إلى وصي المسيح شمعون.
انبئك بالعجب أنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه، و أنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريّين، من القسيسين و الرّهبان ثلاثمائة رجل، و من ذوي الأخطار منهم تسعمائة رجل، و جمع من امراء الأجناد، و قوّاد العساكر، و نقباء الجيوش، و ملوك العشائر أربعة آلاف، و أبرز من بهيّ (4) ملكه كرسيّا مرصّعا من أصناف الجواهر، إلى صحن القصر فوق أربعين مرقاة. فلمّا صعد ابن أخيه و أحدقت به الصّلبان، و قامت الأساقفة خلفه، و نشرت أسفار الإنجيل، تساقطت الصّلبان من
(1) المحرجة من الأيمان: التي لا مخرج منها، و المغلّظة: المؤكّدة.