تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثلاثون 30 · صفحة 573 من 740
صفحة
[صفحة 544]
التنصيص على من عيّنه للإمامة و جعله أولى بالناس من أنفسهم تعجيل للفتنة بين المسلمين و تفريق كلمتهم، فيتسلّط بذلك الكفّار و أهل الردّة عليهم، و ينهدم أساس الإسلام، و ينقلع دعائم الدين، و ذلك لأنّ الراغبين في الإمامة و الطامعين في الملك و الخلافة قد علموا من مرضه (صلّى اللّه عليه و آله) و إخباره تصريحا و تلويحا في غير موقف بأنّه قد دنى أجله و لا يبرأ من مرضه، فوطّنوا أنفسهم لإلقاء الشبهة بين المسلمين لو كتب الكتاب و أكّد الوصية، بأنّه كان على وجه الهجر و الهذيان، فيصدّقهم الذين في قلوبهم مرض، و يكذّبهم المؤمنون (1) بأنّ كلامه ليس إلّا وحيا يوحى، فيقوم فيهم المحاربة و القتال و ينتهي الحال إلى استيصال أهل الإيمان و ظهور أهل الشرك و الطغيان، فاكتفى (صلّى اللّه عليه و آله) بنصّه يوم الغدير و غيره، و قد بلّغ الحكم و أدّى رسالة ربّه كما أمره بقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (2) فلم يكن في ترك الكتابة تقصير في التبليغ و الرسالة، و إنّما منعت الطائفة من الأمّة لشقاوتهم ذلك الفعل، و سدّوا باب الرحمة، فضلّوا عن سواء الصراط و أضلّوا كثيرا: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (3) الثاني: أنّ ما يظهر كلامه- من أنّ استفهامهم كان لاستعلام أنّ الأمر على وجه العزم، أو ردّ الأمر إلى اختيارهم- مردود، بأنّ قولهم ما شأنه: أ هجر؟
استفهموه؟ لا يفهم منه من له أدنى فطانة، إلّا أنّ هذا الاستفهام عبارة عن استعلام أنّ كلامه ذلك كان من الهجر و كلام المرضى و الهذيان، أو هو كلام صحيح، لا أنّ أمره كان على وجه العزم أو الردّ إلى الاختيار، و هو واضح.
و أمّا ما علّل به الكفّ من صواب رأي عمر، ففيه أنّه ليس في الكلام ما يدلّ على تصويب رأي عمر،
فإنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الرواية الثالثة من