السيد ابن طاووس رضى الدين علي الحلي · الإقبال بالأعمال الحسنة الجزء 2 · صفحة القارئ 186 من 375 · الصفحة الأصلية 192
صفحة
[صفحة 192]
في مصلحتك و هدايتك من أهل الكفر و من أهل الإسلام، حتّى ظفرت أنت بسعادتك، و كم خرّب من بلاد عامرة، و أهلك من أمم غابرة.
ثمّ اذكر إبراز اللّه جلّ جلاله إسراره بيوم العيد، و أظهر لك أنواره بذلك الوقت السعيد، من مخزون ما كان مستورا عن الأمم الماضية، و القرون الخالية، و جعلك أهلا أن تزور عظمته و حضرته فيه، و تحدّثه بغير واسطة و تناجيه.
فهل كان هذا في حسنات نطفتك أو علقتك أو مضغتك؟ أو لمّا كنت جنينا ضعيفا؟ أو لمّا صرت رضيعا لطيفا؟ أو لمّا كنت ناشئا (1) صغيرا؟ أو هل وجدت لك في ذلك تدبيرا؟.
فكن رحمك اللّه عبدا مطيعا و مملوكا سميعا لذلك المالك السّالك بك في تلك المسالك، الواقي لك من المهالك، فواللّه إنّه ليقبح بك مع سلامة عقلك، و ما وهب لك من فضله، الّذي صرت تعتقده من فضلك أن تعمى أو تتعامى عن هذا الإحسان الخارق للألباب، أو أن تشغل عنه، أو تؤثر عليه شيئا من الأسباب؟
أقول: فاستقبل هداية اللّه جلّ جلاله إليك يوم عيده، بتعظيمه و تمجيده، و القيام بحقّ و عوده، و الخوف من وعيده، و فرحك و سرورك بما في ذلك من المسارّ و المبارّ على قدر الواهب جلّ جلاله، و على قدر ما كنت عليه من ذلّ التراب، و عقبات النشأة الأولى و ما كان فيها من الأخطار، و تردّدك في الأصلاب و الأرحام ألوفا كثيرة من الأعوام، يسار بك في تلك المضايق على مركب السّلامة من العوائق، حتّى وصلت إلى هذه المسافة، و أنت مشمول بالرحمة و الرأفة، موصول بموائد الضّيافة، آمنا من المخافة.
فالعجب كلّ العجب لك إن جهلت قدر المنّة عليك فيما تولّاه اللّه جلّ جلاله من الإحسان إليك، فاشتغل بما يريد، و قد كفاك كلّ هول شديد، و هو جلّ جلاله كافيك ما قد بقي بذلك اللّطف و العطف الّذي أجراه على المماليك و العبيد.
(1) الناشئ: الغلام أو الجارية إذا جاوزا حدّ الصغر و شبّا.