الإقبال بالأعمال الحسنة

السيد ابن طاووس رضى الدين علي الحلي · الإقبال بالأعمال الحسنة الجزء 2 · الصفحة الأصلية 256 / داخلي 250 من 375

صفحة
[صفحة 256]

بها الخرسات بأنواع اللّغات، بخوعا (1) له بأنّه فاطر الأرضين و السّماوات، و استشهدهم خلقه و ولّاهم ما شاء من أمره.


جعلهم تراجم مشيّته و ألسن إرادته، عبيدا لٰا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ، وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ، وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، يحكمون بأحكامه و يستنّون بسنّته، و يعتمدون حدوده، و يؤدّون فرضه.


و لم يدع الخلق في بهم صمّا و لا في عمى بكما، بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم، و تفرقّت في هياكلهم، حقّقها في نفوسهم و استعدّ لها حواسّهم، فقرّر بها على إسماع و نواظر و أفكار و خواطر، ألزمهم بها حجّته و أراهم بها محجّته و أنطقهم عمّا شهدته بألسن ذريّة بما قام فيها من قدرته و حكمته، و بيّن عندهم بها «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»، وَ إِنَّ اللّٰهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (2)، بصير شاهد خبير.


و انّ اللّه تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين، لا يقوم أحدهما إلّا بصاحبه، ليكمل لكم عندكم، جميل صنعه، و يقفكم على طريق رشده، و يقفوا بكم آثار المستضيئين بنور هدايته، و يسلك بكم منهاج قصده، و يوفّر عليكم هنيء رفده.


فجعل الجمعة مجمعا ندب إليه (3) لتطهير ما كان قبله، و غسل ما أوقعته مكاسب السّوء من مثله إلى مثله، و ذكري للمؤمنين و تبيان خشية المتّقين، و وهب لأهل طاعته في الأيّام قبله و جعله لا يتمّ الّا بالايتمار لما أمر به، و الانتهاء عمّا نهى عنه، و البخوع بطاعته فيما حثّ عليه و ندب إليه، و لا يقبل توحيده الّا بالاعتراف لنبيّه (صلى اللّه عليه و آله) بنبوّته، و لا يقبل دينا الّا بولاية من أمر بولايته، و لا ينتظم أسباب طاعته إلّا بالتمسّك بعصمة و عصم أهل ولايته.


فانزل على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) في يوم الدّوح ما بيّن فيه عن إرادته في خلصائه


(1) بخع: أقرّ به و أذعن.

(2) الأنفال: 42.

(3) ندب للأمر أو إلى الأمر: دعاه و رشّحه للقيام به.

التالي الأصلية 256داخلي 250/375 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...