السيد ابن طاووس رضى الدين علي الحلي · الإقبال بالأعمال الحسنة الجزء 2 · صفحة القارئ 332 من 375 · الصفحة الأصلية 338
صفحة
[صفحة 338]
الذي جاء بها الاملاك من عند اللّه عزّ و جلّ فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة، قال أبو حارثة: لا بل شارفوها (1) بأجمعها و اسبروها (2)، فإنه أصرم (3) للمعذور و ارفع لحكّة (4) الصدور، و أجدر الّا ترتابوا في الأمر من بعد، فلم يجد من المصير إلى قوله من بدّ، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم (عليه السلام) قال: و كان اللّه عزّ و جلّ بفضله على من يشاء من خلقه، قد اصطفى إبراهيم عليه بخلّته و شرفه بصلواته و بركاته و جعله قبلة و إماما لمن يأتي من بعده و جعل النبوة و الإمامة و الكتاب في ذريّته يتلقّاها آخر عن أول و ورّثه تابوت آدم (عليه السلام) المتضمّن للحكمة و العلم الذي فضّله اللّه عزّ و جلّ به على الملائكة طرّا.
فنظر إبراهيم (عليه السلام) في ذلك التابوت فأبصر فيه بيوتا بعدد ذوي العزم من الأنبياء المرسلين و أوصيائهم من بعدهم و نظرهم، فإذا بيت محمد (صلى اللّه عليه و آله) آخر الأنبياء عن يمينه علي بن أبي طالب آخذ بحجزته، فإذا شكل عظيم يتلألأ نورا فيه:
هذا صنوه و وصيّه المؤيّد بالنّصر، فقال إبراهيم (عليه السلام): إلهي و سيّدي من هذا الخلق الشريف؟
فأوحى اللّه عزّ و جلّ: هذا عبدي و صفوتي الفاتح الخاتم و هذا وصيّه الوارث، قال:
ربّ ما الفاتح الخاتم؟ قال: هذا محمد خيرتي و بكر فطرتي (5) و حجّتي الكبرى في بريّتي، نبّئته و اجتبيته إذا آدم بين الطين و الجسد، ثم إنّي باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني و خاتم به رسالاتي و نذري، و هذا عليّ اخوه و صدّيقه الأكبر، آخيت بينهما و اخترتهما و صلّيت و باركت عليهما و طهّرتهما و أخلصتهما و الأبرار منهما و ذرّيتهما قبل ان أخلق سمائي و ارضي و ما فيهما من خلقي، و ذلك لعلمي بهم و بقلوبهم انّي بعبادي عليهم خبير.
قال: و نظر إبراهيم (عليه السلام) فإذا اثنى عشر تكاد تلألأ إشكالهم لحسنهما (6) نورا،
(1) شارفه و عليه: اطلع من فوقه.
(2) السبر: امتحان غور الشيء.
(3) أصرم: اقطع.
(4) لحسكة (خ ل)، أقول: حكة الصدر: خلجان الشبهة فيها، الحسكة: نبات تعلق ثمرته بالصوف، و الحقد و العداوة.