إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب صلوات الله عليه
علي اليزدي الحائري · إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب صلوات الله عليه ج 1 · الصفحة الأصلية 259 / داخلي 255 من 436
»»
[صفحة 259]
و غابت الحجج بعده و اشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتّى ولد يحيى بن زكريا و ترعرع، فظهر و له تسع سنين فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكّرهم بأيّام اللّه عزّ و جلّ، و أخبرهم أنّ محن الصالحين إنّما كانت لذنوب بني إسرائيل و أنّ العاقبة للمتّقين، و وعدهم الفرج بقيام المسيح بعد نيف و عشرين سنة من هذا القول، فلمّا ولد المسيح أخفى اللّه ولادته و غيّب اللّه شخصه؛ لأنّ مريم لما حملته انتبذت به مكانا قصيا، ثمّ إنّ زكريا و خالتها أقبلا يقصّان أمرها حتّى هجما عليها و قد وضعت ما في بطنها و هي تقول: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (1) فأطلق اللّه تعالى ذكره لسانه بعذرها و إظهار حجّتها، فلمّا ظهر اشتدّت البلوى و الطلب على بني إسرائيل و أكبّ الجبابرة و الطواغيت عليهم حتّى كان من أمر المسيح ما قد أخبر اللّه تعالى به.
و استتر شمعون بن حمون و الشيعة، ثمّ أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجّر اللّه لهم فيها العيون العذبة، و أخرج لهم من كل الثمرات و جعل لهم فيها الماشية، و بعث إليهم سمكة تدعى القمل لا لحم لها و لا عظم و إنّما هي جلد و دم فخرجت من البحر، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى النحل أن يركبها فركبها فأتت بالنحل إلى تلك الجزيرة، و نهض النحل و تعلّق بالشجر فعرس و بنى و كثر العسل، و لم يكونوا يفقدون من أخبار المسيح شيئا (2).
فقد روي أنّ له غيبات يسيح فيها في الأرض فلا يعرف قومه و شيعته خبره، ثمّ ظهر فأوحى إلى شمعون بن حمون، فلمّا مضى شمعون غاب الحجج بعده و اشتدّ الطلب و عظمت البلوى و درس الدين و اميتت الفروض و السنن، و ذهب الناس يمينا و شمالا لا يعرفون أيّا من أي، فكانت الغيبة مائتين و خمسين سنة (3).
و عن الصادق (عليه السّلام): كان بين عيسى و بين محمّد خمسمائة عام، منها مائتان و خمسون عاما ليس فيها نبي و لا عالم ظاهر. قيل: فما كانوا؟ قال: كانوا متمسّكين بدين عيسى (4).
(1)- مريم: 23.
(2)- بطوله في كمال الدين: 159 ح 17، و بحار الأنوار: 13/ 449.