مستدرك عوالم العلوم و المعارف

الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني · مستدرك عوالم العلوم و المعارف ج 11 2 · الصفحة الأصلية 639 / داخلي 100 من 771

[صفحة 639]

ظاهر القرآن أولى بالحقّ ممّا خالفه.


فإن قالوا: هذا لا يصحّ، و ذلك لأنّ كلّ شيء تركه الخلق بأجمعهم صدقة، و كان من صدقاتهم لم يورّث و لم يصحّ ميراثه، فلا يكون حينئذ لتخصيص الأنبياء (عليهم السّلام) بذكره فائدة معقولة.


قيل لهم: ليس الأمر كما ذكرتم، و ذلك أنّ الشيء قد يعمّ بتخصيص البعض للتحقيق بأنّهم أولى الناس بالعمل بمعناه، و ألزم الخلق له، و إن كان دينا لمن سواهم من المكلّفين، قال اللّه عزّ و جلّ:


إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: 45] و إن كان منذرا لجميع العقلاء.


و قال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ [التوبة: 18]


و إن كان قد يعمرها الكفّار و من هو بخلاف هذه الصفة.


و قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2] و إن كان في الكفّار من إذا ذكر اللّه و جل قلبه و خاف، و في المؤمنين من يسمع ذكر اللّه و هو مسرور بنعم اللّه، أو مشغول بضرب من المباح، فلا يلحقه في الحال وجل و لا يعتريه خوف، و هذا محسوس معروف بالعادات؛


و هو كقول القائل: نحن معاشر المسلمين لا نقرّ على منكر، و إن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرّون على ما يرونه من المنكرات، و في المسلمين من يقرّ على منكر يعتقد صوابه بالشبهات.


و كقول فقيه من الفقهاء: نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين، و قد ترى ذلك جماعة ممّن ليس من الفقهاء.


و كقول القائل: نحن معاشر القرّاء لا نستجيز خيانة الظالمين، و قد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القرّاء من العدول و الفاسقين، و أمثال هذا في القول المعتاد كثير، و إنّما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه، و التقدّم فيه، و أنّهم قدوة لمن سواهم، و أئمّتهم في العمل نحو ما ذكرناه.


و وجه آخر: و هو أنّه يحتمل أن يكون قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- إن صحّ عنه- أنّه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة لا يورّث» أي لا يستحقّه أحد من أولادنا و أقربائنا و إن صاروا إلى حال الفقراء الّتي من صار إليها من غيرهم حلّت لهم صدقات أهليهم، لأنّ اللّه تعالى حرّم الصدقة على أولاد الأنبياء و أقاربهم تعظيما لهم و رفعا لأقدارهم عن الأدناس، و ليس ذلك في من سواهم من الناس؛


لأنّ غير الأنبياء (عليهم السّلام) إذا تركوا صدقات و وقوفا و وصايا للفقراء من سائر الناس فصار أولادهم و أقاربهم من بعدهم إلى حال الفقر كان لهم فيها حقوق أوكد من حقوق غيرهم من الأباعد.


فمنع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذرّيّته و أهل بيته من نيل ما تركه من صدقاته و إن افتقروا و خرجوا من حال الغنى، و كان المعنى في قوله: «لا نورّث» أي لا يصير من بعدنا إلى ورثتنا على حال، و هذا معروف في انتقال الأشياء من الأموات إلى الأحياء، و الوصف له بأنّه ميراث و إن لم يوجد من جهة الإرث، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ [الأحزاب: 27].


فصل: و قد تعلّق بعضهم بلفظ آخر في هذا الخبر، فقال:


التالي الأصلية 639داخلي 100/771 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...