الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني · مستدرك عوالم العلوم و المعارف ج17 · الصفحة الأصلية 447 / داخلي 439 من 729
»»
[صفحة 447]
قال: ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته و أخواته قد حلّوا بساحتكم، و نزلوا بفنائكم، و أنا رسوله إليكم، اعرّفكم مكانه. [قال:] فما بقيت في المدينة مخدّرة و لا محجّبة إلّا برزن من خدورهنّ، مكشوفة شعورهنّ، مخمّشة وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ، يدعون بالويل و الثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم، و لا يوما أمرّ على المسلمين منه، و سمعت جارية تنوح على الحسين (عليه السّلام) فتقول:
فعينيّ جودا بالدموع و أسكبا * * * وجودا بدمع بعد دمعكما معا
على من دهى عرش الجليل فزعزعا * * * فأصبح هذا المجد و الدين أجدعا
على ابن نبيّ اللّه و ابن وصيّه * * * و إن كان عنّا شاحط الدار أشسعا (1)
ثمّ قالت: أيّها الناعي جدّدت حزننا بأبي عبد اللّه (عليه السّلام)، و خدشت منّا قروحا لمّا تندمل، فمن أنت رحمك اللّه؟ فقلت: أنا بشير بن حذلم (2) وجّهني مولاي عليّ ابن الحسين (عليهما السّلام) و هو نازل في موضع كذا و كذا مع عيال أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و نسائه، قال: فتركوني مكاني و بادروا (3).
فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق و المواضع، فنزلت عن فرسي و تخطّيت (4) رقاب الناس حتّى قربت من باب الفسطاط و كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) داخلا و معه خرقة يمسح بها دموعه، و خلفه خادم معه كرسيّ، فوضعه له و جلس عليه و هو لا يتمالك من العبرة، و ارتفعت أصوات الناس بالبكاء، و حنين الجواري و النساء، و الناس من كلّ ناحية يعزّونه، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة، فأومأ بيده أن اسكتوا فسكنت (5) فورتهم، فقال (عليه السّلام):
(1)- في المصدر: أشعثا، و يقال: «رجل شاسع الدار» أي بعيدها.