حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار عليهم الصلاة والسلام
السيد هاشم البحراني · حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار عليهم الصلاة والسلام ج 1 · الصفحة الأصلية 177 / داخلي 167 من 398
»»
[صفحة 177]
عيّاب و لا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه و لا يخيّب مؤمّله.
قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، و الإكثار، و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، و لا يعيّره، و لا يطلب عثراته و لا عوراته، و لا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير (1)، و إذا سكت تكلّموا و لا يتنازعون عنده الحديث (2)، من تكلّم أنصتوا له حتى يفرغ (3)، حديثهم عنده حديث أولهم (4). يضحك ممّا يضحكون منه، و يتعجّب ممّا يتعجبون منه، و يصبر على الغريب (5) على الجفوة (6) في مسألته و منطقه حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم (7)، و يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه (8)، و لا يقبل الثناء إلّا من مكافئ (9)، و لا يقطع على أحد
(1) على رؤوسهم الطير: قال الجزري: وصفهم بالسكون و الوقار، لأن الطير لا تكاد تقع إلّا على شيء ساكن.
(2) و لا يتنازعون عنده الحديث: قال في البحار: أي إذا تكلّم أحد منهم أمسكوا حتى يفرغ.
(3) في العيون: و إذا تكلّم عنده أحد أنصتوا له حتى يفرغ من حديثه.
(4) في البحار: حديث أوليهم، قال: و لعلّه تأكيد للسابق، أي لا يتكلّم إلّا من سبق بالكلام.
(5) في البحار: و يصبر للغريب.
(6) على الجفوة: أي على غلظة الغريب و بعده من الآداب.
(7) ليستجلبونهم: قال في البحار: أي يجيئون معهم بالغرباء إلى مجلسه من كثرة احتماله عنهم، و صبره على ما يكون منهم في سؤالهم إيّاه، و غير ذلك، و الصحابة كانوا لا يجترؤون على مثل ذلك.
(8) فأرفدوه: أي أعينوه، قال في البحار: و في بعض رواياتهم: فأرشدوه، و الأظهر أنّه هنا فأوفدوه بالواو.
(9) قال الجزري: قال القتيبي: معناه إذا أنعم على رجل نعمة فكافأه بالثناء عليه قبل ثنائه، و إذا أثنى قبل أن ينعم عليه لم يقبله، و قال ابن الأنباري هذا غلط، إذ كان أحد لا ينفك عن إنعام النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّ اللّه بعثه رحمة للناس كافّة فلا يخرج منها مكافئ و لا غير مكافئ، و الثناء عليه فرض لا يتم الإسلام إلا به و إنّما المعنى أنّه لا يقبل الثناء عليه إلّا من رجل يعرف حقيقة إسلامه و لا يدخل عنده في جملة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و قال الأزهري: فيه قول ثالث: إلّا من مكافئ، أي مقارب غير مجاوز حدّ مثله، و لا مقصّر عمّا رفعه اللّه إليه.