حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار عليهم الصلاة والسلام

السيد هاشم البحراني · حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار عليهم الصلاة والسلام ج 2 · الصفحة الأصلية 366 / داخلي 348 من 430

[صفحة 366]

فقال (عليه السلام): يا أخا اليهود إنّ اللّه عزّ و جلّ امتحنني بعد وفاة نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي بمنّه و نعمته صبورا.


أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامّة أحد آنس به، أو اعتمد عليه، أو استنيم (1) إليه، أو أتقرّب به غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، هو ربّاني صغيرا، و بوّأني كبيرا، و كفاني العيلة، و جبرني من اليتم، و أغناني عن الطلب، و وقاني المكسب، و عال (2) لي النفس و الولد و الأهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا، مع ما خصّني به من الدّرجات الّتي قادتني إلى معالي الحظوة (3) عند اللّه عزّ و جلّ، فنزل بي من وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة (4) كانت تنهض به.


فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، و لا يضبط نفسه، و لا يقوى على حمل فادح (5) ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره، و أذهل عقله، و حال بينه و بين الفهم، و الإفهام، و القول، و الاستماع، و سائر الناس من غير بني عبد المطّلب بين معزّ يأمر بالصبر، و بين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، و حملت نفسي على الصّبر عند وفاته، بلزوم الصمت و الاشتغال بما أمرني به: من تجهيزه، و تغسيله و تحنيطه و تكفينه، و الصلاة عليه، و وضعه في حفرته، و جمع كتاب اللّه و عهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر (6) دمعة، و لا هائج زفرة، و لا لاذع حرقة، و لا جزيل مصيبة، حتى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب للّه عزّ و جلّ و لرسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّ، و بلّغت


(1) استنام إليه: سكن.

(2) عال لي النفس و الولد و الأهل: كفاهم معاشهم.

(3) الحظوة (بكسر الحاء المهملة و ضمّها): المكانة و المنزلة- و في المصدر: معالي الحق.

(4) العنوة: القهر.

(5) الفادح: الصعب المثقل.

(6) بادر دمعة: الدمعة التي تبدر من غير اختيار. و الزفرة: النفس الطويل. و لذع الحبّ قلبه:

آلمه، و لذعت النار الشيء: لفحته.


التالي الأصلية 366داخلي 348/430 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...