الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الاول 1 · الصفحة الأصلية 283 / داخلي 276 من 384
»»
[صفحة 283]
قال و الكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار و يطيعك في السفر كطاعته في الحضر لا يقصر عنك بنوم و لا يعتريه ملال و هو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك و إن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة و إن عدلت عنه لم يدع طاعتك و إن هب ريح أعدائك لم ينقلب عليك و متى كنت منه متعلقا بسبب و معتصما بحبل لم تضطرك معه وحشة الانفراد إلى الجليس السوء. و لو لم يكن من فضله عليك و إحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك و النظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق في فضول النظر و ملابسة صغار الناس و حضور ألفاظهم الساقطة و أخلاقهم الردية لكان في ذلك السلامة يوم القيامة و نعم الجليس. و قال في هذا المعنى و الكتاب نعم الذخر و القعدة و نعم الجليس و العقدة و نعم السيرة و النزهة و نعم الشغل و الحرفة و نعم الأنيس ساعة الوحدة و نعم المعرفة ببلاد الغربة و نعم القرين و الدخيل و نعم الوزير و الزميل و الكتاب وعاء مليء علما و ظرف حشي ظرفا و إناء شحن مزاحا و جدا إن شئت كان أبين من سحبان وائل (1) و إن شئت كان أعي من باقل (2) و إن شئت ضحكت من نوادره و إن شئت عجبت من غرائب فوائده و إن شئت ألهتك نوادره و إن شئت أشحتك مواعظه. و بعد فمتى رأيت بستانا يخمل في ردن و روضة تنقلب في حجر ينطق عن الموتى و يترجم كلام الأحياء و من لك بمؤنس لا ينطق إلا بما تهوى آمن من في الأرض و أكتم للسر من صاحب السر.
(1) هو من ألسنة الجاهليين و خطباء الإسلام و يضرب فيه المثل في الفصاحة و البيان توفّي سنة (54 ه)- (673 م) و في النسخة (من تيجان وائل).
(2) هو باقل بن عمرو بن ثعلبة الإيادي يضرب فيه المثل في العي و الفهاهة.