الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الاول 1 · الصفحة الأصلية 326 / داخلي 319 من 384
»»
[صفحة 326]
و النسيان عنها و إحالة الجحد و الكتمان منها لم يغن ذلك عن إمام في كل زمان حسبما يشهد به الدليل العقلي و البرهان و ذلك أنا وجدنا اختلاف طبائع الناس و شهواتهم و تباين هممهم و إرادتهم و ميل جميعهم في الجملة إلى الرئاسة و محبتهم لنفوذ الأمر و وجوب الطاعة و رغبتهم في حرز الأموال و تطلعهم إلى نيل الآمال و ارتكاب أكثرهم للمقبحات و تسرعهم إلى ما يقدرون عليه من الشهوات مع وكيد تحاسدهم و شديد تظالمهم الذي لا ينكره إلا من دفع الضرورات و أنكر المشاهدات يقضي ذلك في العقول عند ذوي التحصيل بأن صلاح أحوالهم و انتظام أمورهم و حراسة أنفسهم و أموالهم لا يتم إلا بوجود رئيس لهم و متقدم عليهم يكون مسددا فيما يمضيه من تدبيرهم موفقا للصواب فيما يراه لهم و عليهم يقيم بهيبته عوجهم و يرد بيده أودهم و يجمع برأيه متشتتهم و يقهر بتمكنه معاندهم و يمنع القوي من الضعيف و يسوسهم بالسوط و السيف. و في عدم الرئيس و هم على ما ذكرناه فساد أحوالهم و انقطاع نظامهم و حصول الهرج منهم و وجود الحيرة و الفتنة بينهم التي هي سبب تلافهم و هلاك أنفسهم و هذا أمر يعلم العقلاء صحته ممن أقر بالشرع و جحده قال الأفوه الأودي و كان جاهليا (1)
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم* * * و لا سراة إذا جهالهم سادوا
و إذا كان الله تعالى إنما خلق خلقه لنفعهم و أحياهم لصلاحهم و مراشدهم فإنه في عدله و حكمته و رأفته و رحمته لم يخلهم في كل زمان من رئيس يكون لهم و إمام في الدين و الدنيا عليهم.
(1) هو صلاءة بن عمرو بن مالك الأودي من بني أود، و الأفوه لقب كان له، و هو من سادات العرب في الجاهلية المعروفين بالرأي و الحزم، و من الشعراء المشاهير، و كان فارسا مغوارا توفي سنة (570 م) و في شعره فكر و حياة.