الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 72 / داخلي 68 من 235
»»
[صفحة 72]
كما أن الحاضر لا يعلم بالاستدلال إلا أن يغيب و لو جاز أن يخلقهم فيعرفون الغائب لجاز أن يقدرهم على ذلك و هذا محال. و لا يجوز أيضا أن يخلق الشكر فيهم لأنه لو خلقه لهم لم يكونوا هم الشاكرين بل يكون هو الشاكر نفسه لأن الشاكر من فعل الشكر لا من فعل فيه كما أن الظالم من فعل الظلم لا من فعل فيه. مسألة أخرى للملاحدة قال الملحدون كيف يجوز من الحكيم الرحيم أن يخلق خلقا ثم يكلفهم و هو يعلم أنهم يعصون فيصيرون إلى العذاب الأليم و يبقون فيه مخلدين و هو لو لم يخلقهم لم يكن ذلك أو خلقهم و لم يكلفهم لم يقع الكفر منهم. الجواب قيل لو وجب أن يكون الخلق و التبليغ قبيحا و لا حكمة لأن ذلك لو لم يكن ما استحق أحد العذاب و الخلود في النار لكان لا شيء أوضع و لا أضر من العقل لأن الإنسان متى لم يكن عاقلا لم يلحقه لوم في شيء يكون منه و لم يلزمه عقاب و لا أدب على زلل يصدر عنه و متى كان عاقلا لحقه ذلك أجمع و مستحقه. و الأمم كلها ملحدها و موحدها مجمعة على اعتقاد شرف العقل و فضيلته و علو منزلته و سقوط ضده و نقصه. فإن قالوا إن العقل ليس يدعو إلى شيء مما يوجب اللوم و لا يحمل عليه و لا يدخل فيه بل هو ناه عن ذلك زاجر عنه و لو شاء المكلف لم يكفر بل أطاع فاستحق بطاعته الخلود في نعيم الجنان كما استحق غيره ممن أطاع. و بعد ففي التكليف تعريض لأجل منازل النعيم و هي منزلة الاستحقاق و فيه فعل ما تقتضيه الحكمة و الصلاح.