الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 78 / داخلي 74 من 235
»»
[صفحة 78]
يهوي إلى بئر أملا في وجه لتخليصه و هرول غاية قدرته لإنقاذه فحسن ذلك منه و إن لم تجر به عادته و كان شكورا عليه لصواب غرضه فيه و رجل دخل الماء في أذنه فاجتهد في إخراجه بأن وقف على إحدى رجليه و أمال رأسه إلى ناحيتها و قفز عدة دفعات عليها ليخرج الماء من أذنه و يأمن ما يخشاه من ضرره فلا ينقصه ذلك من فضله و لا يزيله عن رتبته و عقله بل يكون فيما فعله حكيما و بدفع المضرة عنه عليما. و كالقاضي الذي دخلت ذبابة في ثوبه و حصلت بينه و بين جسمه و هو بين شهوده و في مجلس قضائه و حكمه فأضجرته بأذيتها و أقلقته بثقلها و أخذ يتحرك لها أنواع الحركة و يتلوى منها إلى كل جهة و يكثر من توقفه و اضطرابه و يطيل تطلعه في ثيابه و الناس يشاهدون أفعاله و لا يعرفون فلما دام أمرها و طال لبثها حسن منه النهوض عن مجلسه و الخلو لإزالتها بنفسه فالجاهل من سارع إلى سوء الظن به و قدم على استنقاصه في فعله و العاقل الذي يعلم أن أمرا قد دهمه و شيئا ألجأه إلى ما ظهر منه و اضطره و نحو هذا من الأفعال العجيبة و الأحوال الطريفة الذي يتفق لذوي العقول السليمة و الآراء الصحيحة فيقع منهم أكثر مما ذكرت و فوق ما وصفت و يكون الواجب تصويبهم فيه و إن لم يعلم الأسباب الداعية لهم فيه.
قصة وقعت مع المؤلف
و لقد اضطررت يوما إلى الحضور مع قوم من المتصوفين فلما ضمنا المجلس أخذوا فيما جرت به عادتهم من الغناء و الرقص فاعتزلتهم إلى إحدى الجهات و انضاف إلي رجل من أهل الفضل و الديانات فتحادثنا ذم الصوفية على ما يصنعون و فساد أغراضهم فيما يتأولون و قبح ما يفعلون من الحركة و القيام و ما يدخلون على أنفسهم في الرقص من الآلام فكان الرجل لقولي مصوبا و للقوم في فعلهم مخطئا و لم نزل كذلك إلى أن غنى مغني القوم هذه الأبيات
و ما أم مكحول المدامع ترتعي* * * ترى الأنس وحشا و هي تأنس بالوحش