بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والثلاثون 34 · صفحة 185 من 457

صفحة
[صفحة 186]

الْإِطْرَاءَ وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ [لِي‏] لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِيَاءِ، وَ رُبَّمَا اسْتُحْلِيَ الثَّنَاءُ بَعْدَ الْبَلَاءِ، فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ؛ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ الْبَقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَ لَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ.


فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَ لَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.


فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَجَابَهُ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ: أَنْتَ أَهْلُ مَا قُلْتَ، وَ اللَّهِ فَوْقَ مَا قُلْتَهُ، فَبَلَاؤُهُ عِنْدَنَا مَا لَا يُكْفَرُ، وَ قَدْ حَمَّلَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِعَايَتَنَا، وَ وَلَّاكَ سِيَاسَةَ أُمُورِنَا، فَأَصْبَحْتَ عَلَمَنَا الَّذِي نَهْتَدِي بِهِ، وَ إِمَامَنَا الَّذِي نَقْتَدِي بِهِ، وَ أَمْرُكَ كُلُّهُ رُشْدٌ، وَ قَوْلُكَ كُلُّهُ أَدَبٌ. قَدْ قَرَّتْ بِكَ فِي الْحَيَاةِ أَعْيُنُنَا، وَ امْتَلَأَتْ مِنْ سُرُورٍ بِكَ قُلُوبُنَا، وَ تَحَيَّرَتْ مِنْ صِفَةِ مَا فِيكَ مِنْ بَارِعِ الْفَضْلِ عُقُولُنَا، وَ لَسْنَا نَقُولُ لَكَ: أَيُّهَا الْإِمَامُ الصَّالِحُ تَزْكِيَةً لَكَ، وَ لَا تَجَاوُزَ الْقَصْدِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَ لَنْ يُكَنَّ فِي أَنْفُسِنَا طَعْنٌ عَلَى يَقِينِكَ، أَوْ غِشٌّ فِي دِينِكَ فَنَتَخَوَّفَ أَنْ تَكُونَ أَحْدَثْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى تَجَبُّراً، أَوْ دَخَلَكَ كِبْرٌ، وَ لَكِنَّا نَقُولُ لَكَ مَا قُلْنَا تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِتَوْقِيرِكَ، وَ تَوَسُّعاً بِتَفْضِيلِكَ، وَ شُكْراً بِإِعْظَامِ أَمْرِكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ لَنَا وَ آثِرْ أَمْرَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِكَ وَ عَلَيْنَا، فَنَحْنُ طُوَّعٌ فِيمَا أَمَرْتَنَا، نَنْقَادُ مِنَ الْأُمُورِ مَعَ ذَلِكَ فِيمَا يَنْفَعُنَا.

التالي ص 185/457 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...