تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والثلاثون 34 · صفحة 373 من 457
صفحة
[صفحة 372]
شيء منها؛ لأنّ المقصود من إعلام أنّ الغرض من الإرسال هو الإطاعة، إيجاب الإطاعة على المرسل إليهم، لا مجرّد أنّ الغرض هو الإطاعة.
و قال الفخر الرّازي: إنّ ظاهر اللفظ يوهم العموم، و لعلّهم إنّما فهموا ذلك؛ لأنّ المضارعة تفيد الاستمرار الزماني، و لا قائل بأنّ إطاعة النّبيّ في كلّ زمان واجب و إن لم يجب في جميع الأوامر، لكن ذلك لا يوجب أن يكون ظاهر اللفظ ذلك، و إنّما يستلزم وجوب الإطاعة على وجه العموم في الواقع.
أو يقال: نزّل الأوامر الجزئيّة منزله في أجزاء الزمان. فأريد بما يدلّ على عموم الثاني عموم الأوّل، كما أنّه يراد بالدوام و الأبدية عموم الأفراد و بما يدلّ على تبعيض الأوقات تبعيض الأفراد.
و فيه أنّ ذلك مجاز غير ظاهر، و دعوى ظهوره بعيد. و التحقيق أنّ الطاعة ضدّ المعصية، و المعصية المضافة إلى الأمر تصدق بمخالفته و لو من وجه، و المضافة إلى الشخص الآمر تصدق بمخالفة أمر واحد من أوامره، فالطاعة للأمر هو عدم مخالفته بوجه من الوجوه، و للشخص الآمر هو عدم مخالفته في شيء من أوامره، و لهذا كانوا يكتفون في إعطاء القيادة للأمراء و التسليم لهم بأنّا سامعون لك مطيعون من غير تعميم لمطلق الطاعة. و قولهم: أطعناه في الأمر الفلاني دون غيره، مجاز خلاف الظاهر.
و يؤيّده أنّهم استدلّوا بقوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ. و بقوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ على مسألة التأسّي، و لو لا العموم لم يصحّ هذا الاستدلال.
العاشر: قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ و تقرير الاستدلال به على نمط الاستدلال بقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى كما سبق [في الوجه الأوّل].