و الجواب ان الآيتين الأوليين لا دلالة فيهما على أكثر من استكمال القرآن لجميع الأحكام و هو غير منكور، و أما كون فهم الأحكام مشتركا بين كافة الناس كما هو المطلوب بالاستدلال فلا، كيف؟ و جل آيات الكتاب سيما ما يتعلق بالفروع الشرعية كلها ما بين مجمل و مطلق و عام و متشابه لا يهتدى منه- مع قطع النظر عن السنة- إلى سبيل. و لا يركن منه الى دليل. بل قد ورد من استنباطهم (عليهم السلام) جملة من الأحكام من الآيات ما لا يجسر عليه سواهم و لا يهتدى إليه غيرهم، و هو مصداق ما تقدم من
قولهم: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».
كالأخبار الدالة على حكم الوصية بالجزء من المال، حيث فسره (عليهم السلام) بالعشر مستدلا بقوله سبحانه: « ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً .» (3) و كانت الجبال عشرة، و الوصية بالسهم. حيث فسره بالثمن لقوله سبحانه: « إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ . الآية» (4) و النذر بمال كثير. حيث فسره (عليه السلام) بالثمانين لقوله تعالى: « فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ .» (5) و كانت ثمانين موطنا، و أمثال ذلك مما يطول به الكلام.
و اما الآية الثالثة فظاهر سياق ما قبلها و هو قوله: « وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ .» يدل على كون المستنبطين هم الأئمة (عليهم السلام) و بذلك توافرت الأخبار عنهم (عليهم السلام) ،
ففي الجوامع عن الباقر (عليهم السلام) : «هم الأئمة المعصومون».
و العياشي عن الرضا (عليه السلام) :
«يعني آل محمد و هم الذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام».
و في الإكمال عن الباقر (عليه السلام) مثل ذلك. و قد تقدم في بعض الاخبار التي قدمناها ما يشعر