الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة

الشيخ يوسف بن احمد البحراني · الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج 1 · الصفحة الأصلية 40 / داخلي 40 من 528

[صفحة 40]

منظومة والده في أصول العقائد، و توفي بها عام 1261. و الخامس:


12- الشيخ عبد الله. و هو من العلماء الأفاضل، خلف أباه في زعامة البحرين الروحية و القيام بالوظائف الشرعية، و أعقب ولده الشيخ سليمان، و هو من اعلام هذه الأسرة، هاجر الى شيراز، له مؤلفات و منظومة في الكلام و شرحها. و السادس:

13- الشيخ عبد علي، قال في الدرر البهية: كان عالما فاضلا محققا متكلما مجتهدا، توفي بالبحرين في حياة والده في ذي القعدة عام 1208، و خلف نجله العالم الفاضل الصالح الشيخ خلف. و تاريخ ولادته (لا شك فيه لأبيه خلف 1194) و كان عالم ابوشهر و امامها في الجمعة و الجماعة، له مؤلفات كثيرة. و أعقب ولده الشيخ عبد علي فخلف أباه الشيخ خلف في زعامة ابوشهر و تولى الإمامة و القضاء، و له كتب كثيرة:

منها- لئالئ الأفكار في الأصولين مطبوع، توفي سنة 1303. و عمر أكثر من ثمانين سنة و السابع من أولاد الشيخ حسين:


14- الشيخ احمد، و له ولدان: أحدهما- الشيخ حسين عالم فاضل و اديب شاعر له قصائد في مراثي الامام السبط الشهيد، و الثاني- الشيخ محمد، و كان زعيما دينيا في ابوشهر و توفي بها سنة 1263 و أعقب ابنه الشيخ احمد، تلمذ على الشيخ محمد طاهر الحويزي و خلف أباه في زعامة ابوشهر و توفي سنة 1315. ترجم له و لأبيه شيخنا الرازي في نقباء البشر ج 1 ص 118. و أعقب الشيخ احمد ولدين: أولهما- الشيخ محمد، و الثاني- الشيخ خلف، و خلف أباه و جده في زعامة ابوشهر ولد سنة 1285، و تلمذ على المحقق الخراساني صاحب الكفاية. له كتاب (الأنوار الجعفرية) و هو من مشايخ اجازة العلامة الحجة السيد شهاب الدين المرعشي، توفي سنة 1353، ترجم له في (نقباء البشر).

و الحمد لله أولا و آخرا. و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و آله الأوصياء ليلة الثامن عشر من شهر رجب 1377.


[صفحة 1]


[صفحة 2]


الجزء الأول


[خطبة الكتاب]


بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ


الحمد لله الذي هدانا بواضح الدليل على سبيل معادن العلم و التأويل، و سقانا بكأس رحيق السلسبيل من زلال عيون الوحي و التنزيل، و عرج بنا الى معارج الهداية و الدراية، و فتح لنا مغلقات الأحكام بمحكمات الآية و الرواية، و شرح لنا مبهمات الحلال و الحرام بلامعات الولاية الدامغة لدلهمات الغواية، و الصلاة على مؤسس قواعد الدين بالقواعد الباهرة و البراهين. و آله الرافعين لإعلام ما أسس و المشيدين، صلاة توجب لنا الفوز بجوارهم في أعلى عليين.


(أما بعد) فيقول الفقير الى ربه الكريم، و المتعطش الى فيض جوده العميم يوسف بن احمد بن إبراهيم أصلح الله تعالى له أمر داريه، و رزقه حلاوة نشأتيه، و ثبته بالأمر الثابت لديه، و وفقه لتدارك ذنوبه قبل أن يخرج الأمر من يديه، و ألحقه بأئمته مع جملة ولده و إخوانه و والديه: اني كثيرا ما تشوقت نفسي إلى تأليف كتاب جامع للأحكام الفقهية المذيلة بالأخبار النبوية و الآثار المعصومية، مشتمل على أمهات المسائل و ما يتبعها من الفروع المرتبطة بالدلائل، فيعوقني عن ذلك تلاطم أمواج الفتن و الغارات، و تزاحم أفواج المحن و الشتات، و تراكم حنادس عوائق الزمان، و تصادم


[صفحة 3]


بوائق الحدثان، و انجذام يد الدين المنيف، و خمود صيت الشرع الشريف، في كل ناحية و مكان. و تشتت أهاليه في اقاصي البلدان، بل اضمحلال الفضلاء منهم و الأعيان، حتى لقد أصبحت عرصات العلم دارسة الآثار، و منازله مظلمة الأقطار، و عفت اطلاله و معالمه، و خلت دياره و مراسمه.


خلت من أهاليها الكرام و أقفرت * * * فساحتها تبكي عليهم تلهفا


و أوحش ربع الانس بالإنس بعدهم * * * كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا


و لم تبق في ساحتها إلا قوم ببلدح عجفى. و لا من عرصاتها إلا دمنة لم تكلم من أم أوفى. و كنت ممن رمته أيدي الحوادث في الديار العجمية، و قذفته في تلك الأقطار منجنيق الرزية، على ما هي عليه من ترادف البلايا بلية اثر بلية، و اضمحلال اسم الشرع فيها بالكلية، و تلبس الأغبياء بلباس الأفاضل. و تصدر الجهلاء لافتاء المسائل. فلم تزل تترامى بي أقطارها فأطوي هناك المراحل، و أقصد اليم فتقذفني الأمواج إلى الساحل


يوما بحزوى و يوما بالعقيق و بالعذيب * * * يوما و يوما بالخليصاء


حتى انخت ركابي بدار العلم شيراز، و من الله تعالى بالإكرام فيها و الإعزاز، فبقيت فيها برهة من السنين مع جملة الأهل و البنين، في أرغد عيش و أصفاه، و أهنأ شراب و أوفاه، مشتغلا بمدارسة العلوم الدينية. و ممارسة الاخبار المعصومية، فخطر بي ذلك الخاطر القديم. و ناداني المنادي أن يا إبراهيم، فبقيت أقدم رجلا و أؤخر أخرى. و ارى ان التقديم أحق و أحرى، فكم استنهضت مطي العزم على السير فلم تساعد. و بئس السير على ذلك العير الغير المساعد. إلا اني قد أبرزت ضمن تلك المدة جملة من الرسائل في قالب التحقيق. و نمقت شطرا من المسائل على نمط أنيق و طرز رشيق، حتى عصفت بتلك البلاد ريح عاصف حتت الورق، و فرقت من عقد نظامها ما اتسق. و لعبت بها أيدي الحوادث التي لا تنيم و لا تنام، و سقت أهلها من مرير علقمها كؤوس الحمام، قتلا و سلبا و أسرا و هتكا، كأنهم


[صفحة 4]


ممن خلع ربقة الإسلام، و استبدل بها عبادة الأوثان و الأصنام، و حيث من الله تعالى بمزيد كرمه بالسلامة من تلك الأخطار، و النجاة من أيدي أولئك الأشرار، ركبت الفرار الى بعض النواحي، و أغمضت عن عذل العذال و اللواحي، و اتخذت العزلة عن أشباه الناس وطنا، و الوحدة من الدنفاس سكنا، و في ذلك سلامة الدنيا و الدين، و الفوز بسعادة الحق و اليقين، و ضربت صفحا عن الطموح الى زهرة هذه الدار، و طويت كشحا دون النظر الى ما اسدته الأقدار، من البأس حلل اليسار أو اطمار الإعسار، وثوقا بضامن الأرزاق و المعطي على قدر الاستحقاق، و عند ذلك هجس بفكري ما كنت أتمناه من ذلك الكتاب، و ان هذه الخلوة أعز من أن تصرف في غير هذا الباب، و رأيت انتهاز الفرصة فإنها تمر مر السحاب، و لم يثن عزمي قلة الطلاب، و لا إشراف شموس الفضل على الغياب، بل صار ذلك أقوى سبب لي على القدوم، لما استفاض عن سدنة الحي القيوم من الحث الأكيد و مزيد التأكيد في إحياء هذا الدين و نشر شريعة سيد المرسلين، و عسى الله سبحانه أن ينفع به بعض الاخوان المؤمنين، و الخلان الطالبين للحق و اليقين، و قد سميته ب(كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) و اليه سبحانه أرغب في التوفيق سيما للإتمام و العصمة من زلل أقدام الأقلام في ميادين الإحكام، إنه تعالى أكرم من رغب اليه و اكفى من توكل عليه.


و قد رأيت أن أبدأ أولا بتمهيد جملة من المقدمات التي يتوقف عليها الاستدلال، و يرجع إليها في تحقيق الأحوال، ليكون كتابنا هذا كافلا بتحقيق ما يحتاج اليه من أصول و فروع، مغنيا عن الافتقار الى غيره و الرجوع.


[اثنتا عشر مقدمات]


المقدمة الأولى


غير خفي- على ذوي العقول من أهل الايمان و طالبي الحق من ذوي


[صفحة 5]


الأذهان- ما بلي به هذا الدين من أولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، و غصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، و تواثب أولئك الكفرة عليه، و قصدهم بأنواع الأذى و الضرر اليه، و تزايد الأمر شدة بعد موته (صلوات الله عليه)، و ما بلغ اليه حال الأئمة (صلوات الله عليهم) من الجلوس في زاوية التقية، و الإغضاء على كل محنة و بلية. و حث الشيعة على استشعار شعار التقية، و التدين بما عليه تلك الفرقة الغوية، حتى كورت شمس الدين النيرة، و خسفت كواكبه المقمرة، فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج اخباره باخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام و علم الاعلام (محمد بن يعقوب الكليني نور الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتى انه (قدس سره) تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الاخبار، و التجأ إلى مجرد الرد و التسليم للأئمة الأبرار. فصاروا (صلوات الله عليهم)- محافظة على أنفسهم و شيعتهم- يخالفون بين الأحكام و ان لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة و ان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم و اخبارهم و تحدى (1) سيرهم و آثارهم.


و حيث ان أصحابنا (رضوان الله عليهم) خصوا الحمل على التقية بوجود قائل من العامة. و هو خلاف ما أدى اليه الفهم الكليل و الفكر العليل من اخبارهم (صلوات الله عليهم)، رأينا أن نبسط الكلام بنقل جملة من الأخبار الدالة على ذلك، لئلا يحملنا الناظر على مخالفة الأصحاب من غير دليل. و ينسبنا الى الضلال و التضليل.


فمن ذلك ما رواه في الكافي (2) في الموثق عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت:


(1) (حدي الشيء و تحداه) تحدية و تحديا: تعمده. أقرب الموارد.

(2) في باب اختلاف الحديث.

[صفحة 6]


يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا و أبقى لكم. و لو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا و لكان أقل لبقائنا و بقائكم. قال:


ثم قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا و هم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه).


فانظر إلى صراحة هذا الخبر في اختلاف أجوبته (عليه السلام) في مسألة واحدة في مجلس واحد و تعجب زرارة، و لو كان الاختلاف إنما وقع لموافقة العامة لكفى جواب واحد بما هم عليه، و لما تعجب زرارة من ذلك، لعلمه بفتواهم (عليهم السلام) أحيانا بما يوافق العامة تقية، و لعل السر في ذلك أن الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن امامه خلاف ما ينقله الآخر، سخف مذهبهم في نظر العامة، و كذبوهم في نقلهم، و نسبوهم الى الجهل و عدم الدين، و هانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم و تعاضدت مقالتهم، فإنهم يصدقونهم و يشتد بغضهم لهم و لإمامهم و مذهبهم، و يصير ذلك سببا لثوران العداوة، و الى ذلك يشير


قوله (عليه السلام): (و لو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا.


إلخ).


و من ذلك ايضا


ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح- على الظاهر- عن سالم أبي خديجة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سأله إنسان و أنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد و بعض أصحابنا يصلي العصر، و بعضهم يصلي الظهر؟ فقال: أنا أمرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم).


و هو أيضا صريح في المطلوب، إذ لا يخفى أنه لا تطرق للحمل هنا على موافقة العامة، لاتفاقهم على التفريق بين وقتي الظهر و العصر و مواظبتهم على ذلك.


(1) في باب المواقيت.

[صفحة 7]


و ما رواه الشيخ في كتاب العدة (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام): انه (سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت؟ فقال: انا خالفت بينهم).


و ما رواه في الاحتجاج (2) بسنده فيه عن حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: انه ليس شيء أشد علي من اختلاف أصحابنا. قال ذلك من قبلي).


و ما رواه في كتاب معاني الاخبار (3) عن الخزاز عمن حدثه عن ابي الحسن (ع) قال: (اختلاف أصحابي لكم رحمة و قال (ع): إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد).


و سئل عن اختلاف أصحابنا فقال (عليه السلام): (انا فعلت ذلك بكم و لو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم).


و ما رواه في الكافي (4) بسنده فيه عن موسى بن أشيم قال: (كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز و جل فأخبره بها ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله، الى أن قال: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني و أخبر صاحبي، فسكنت نفسي و علمت ان ذلك منه تقية.


قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن أشيم ان الله عز و جل فوض الى سليمان بن داود فقال هٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ. و فوض الى نبيه (صلى الله عليه و آله)


(1) في مبحث الخبر الواحد.

(2) هذا الحديث مذكور في العلل باب 131 (العلة التي من أجلها حرم الله الكبائر) و لم ينقله المجلسي في البحار إلا عن العلل.

(3) هذا الحديث مذكور في العلل في الباب المتقدم و لم ينقله المجلسي في البحار إلا عن العلل.

(4) في باب التفويض الى رسول الله (ص) و الى الأئمة (ع) في أمر الدين.

[صفحة 8]


فقال: ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا. فما فوض الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقد فوضه إلينا).


و لعلك بمعونة ذلك تعلم ان الترجيح بين الاخبار بالتقية- بعد العرض على الكتاب العزيز- أقوى المرجحات. فان جل الاختلاف الواقع في أخبارنا بل كله عند التأمل و التحقيق إنما نشأ من التقية (1) و من هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم)، فظنوا ان هذا الاختلاف إنما نشأ من دس أخبار الكذب في أخبارنا، فوضعوا هذا الاصطلاح ليميزوا به صحيحها عن سقيمها و غثها من سمينها، و قوى الشبهة فيما ذهبوا إليه شيئان: (أحدهما) رواية مخالف المذهب و ظاهر الفسق و المشهور بالكذب من فطحي و واقفي و زيدي و عامي و كذاب و غال و نحوهم.


و (ثانيهما) ما ورد عنهم (عليهم السلام) من ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه و أمثاله مما يدل على دس بعض الأخبار الكاذبة في أحاديثهم (عليهم السلام)، و لم يتفطنوا نور الله ضرائحهم الى ان هذه الأحاديث التي بأيدينا إنما وصلت إلينا بعد أن سهرت


(1) أقول: و قد وفق الله تعالى الى الوقوف على كلام للمحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) يطابق ما سنح لنا في هذه المقالة، حيث قال في تعليقاته على كتاب المدارك في بحث البئر في بيان السبب في اختلاف اخبار النزح ما لفظه: و اما الروايات المختلفة المتضمنة للنزح ففي سبب اختلافها احتمالات، و ذلك لتضمن كثير من الروايات انه من أنواع التقية صدور أجوبة مختلفة عنهم (عليهم السلام) في مسألة واحدة لئلا يثبت عليهم قول واحد، و لنص كثير منها ان خصوصيات كثير من الأحكام مفوضة إليهم (عليهم السلام) كما كانت مفوضة إليه (ص)، ليعلم المسلم لأمرهم من غيره، الى آخر كلامه خصه الله بمزيد إكرامه. و انى سابقا كان يكثر تعجبي من عدم اهتداء أحد سيما من المحدثين الى ما ذكرنا، حتى وفق الله سبحانه للوقوف على هذا الكلام، و ما ذكره (قدس سره) من خروج بعض الاختلافات عنهم (ع) من باب التفويض يدل عليه من الاخبار المذكورة هنا خبر موسى بن أشيم (منه (رحمه الله).

[صفحة 9]


العيون في تصحيحها و ذابت الأبدان في تنقيحها، و قطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان، و هجروا في تنقيتها الأولاد و النسوان، كما لا يخفى على من تتبع السير و الأخبار، و طالع الكتب المدونة في تلك الآثار، فان المستفاد منها- على وجه لا يزاحمه الريب و لا يداخله القدح و العيب- انه كان دأب قدماء أصحابنا المعاصرين لهم (عليهم السلام) الى وقت المحمدين الثلاثة في مدة تزيد على ثلثمائة سنة ضبط الأحاديث و تدوينها في مجالس الأئمة، و المسارعة إلى إثبات ما يسمعونه خوفا من تطرق السهو و النسيان، و عرض ذلك عليهم، و قد صنفوا تلك الأصول الأربعمائة المنقولة كلها من اجوبتهم (عليهم السلام) و انهم ما كانوا يستحلون رواية ما لم يجزموا بصحته، و قد روي أنه عرض على الصادق (ع) كتاب عبيد الله بن علي الحلبي فاستحسنه و صححه، و على العسكري (ع) كتاب يونس بن عبد الرحمن و كتاب الفضل بن شاذان فاثنى عليهما، و كانوا (عليهم السلام) يوقفون شيعتهم على أحوال أولئك الكذابين، و يأمرونهم بمجانبتهم، و عرض ما يرد من جهتهم على الكتاب العزيز و السنة النبوية و ترك ما خالفهما.


فروى الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال (1) بإسناده عن محمد ابن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن: ان بعض أصحابنا سأله و أنا حاضر فقال:


يا أبا محمد ما أشدك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الحديث (2)؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول:


«لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن و السنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد (لعنه الله) دس في كتب (3) أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا (صلى الله عليه و آله)».


قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر و وجدت أصحاب


(1) في أحوال المغيرة بن سعيد.

(2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و في رجال الكشي (رد الأحاديث).

(3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و في رجال الكشي (كتب أصحاب أبي).

[صفحة 10]


أبي عبد الله (ع) متوافرين، فسمعت منهم، و أخذت كتبهم و عرضتها من بعد على ابي الحسن الرضا (ع)، فأنكر منها أحاديث كثيرة ان تكون من أحاديث أبي عبد الله،


و قال: «ان أبا الخطاب كذب على ابي عبد الله (ع) لعن الله أبا الخطاب و كذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب ابي عبد الله (ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة، انا عن الله و عن رسوله نحدث و لا نقول قال فلان و فلان فيتناقض كلامنا، ان كلام آخرنا مثل كلام أولنا. و كلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه و قولوا أنت أعلم و ما جئت به، فان لكلامنا حقيقة و عليه نورا، فما لا حقيقة له و لا عليه نور فذلك قول الشيطان».


أقول: فانظر- أيدك الله تعالى- الى ما دل عليه هذا الحديث من توقف يونس في الأحاديث و احتياطه فيها. و هذا شأن غيره ايضا كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، و أمرهم (عليهم السلام) بعرض ما يأتي من الأخبار من غير المؤتمن على الكتاب و السنة تحرزا من تلك الأحاديث المكذوبة، فهل يجوز في العقول السليمة و الطباع المستقيمة ان مثل هؤلاء الثقات العدول إذا سمعوا من أئمتهم مثل هذا الكلام ان يستحلوا بعد ذلك نقل ما لا يثقون بصحته و لا يعتمدون على حقيقته. بل من المقطوع و المعلوم عادة من أمثالهم انهم لا يذكرون و لا يروون في مصنفاتهم إلا ما اتضح لهم فيه الحال و انه في الصدق و الاشتهار كالشمس في رابعة النهار كما سمعت من حال يونس، و هذا كان دأبهم (عليهم السلام) في الهداية لشيعتهم. يوقفونهم على جميع ما وقع و ما عسى أن يقع في الشريعة من تغيير و تبديل، لأنهم (صلوات الله عليهم) حفاظ الشريعة و حملتها و ضباطها و حرستها. و لهم نواب فيها من ثقات أصحابهم و خواص رواتهم، يوحون إليهم أسرار الأحكام، و يوقفونهم على غوامض كل حلال و حرام، كما قد روي ذلك بأسانيد عديدة، على ان المفهوم من جملة من تلك الأخبار ان تلك الأحاديث المكذوبة


[صفحة 11]


كلها كانت من أحاديث الكفر و الزندقة و الاخبار بالغرائب.


فمن ذلك ما رواه في الكتاب المتقدم (1)


عن يونس عن هشام بن الحكم: انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على ابي و يأخذ كتب أصحابه، و كان أصحابه المستترون بأصحاب ابي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها كتب الكفر و الزندقة و يسندها الى ابي (عليه السلام)، ثم يدفعها إلى أصحابه و يأمرهم أن يبثوها في الشيعة. فكل ما كان في كتب أصحاب ابي (عليه السلام) من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم».


و بإسناده عن حماد عن حريز قال- يعني أبا عبد الله (ع)-: ان أهل الكوفة لم يزل فيهم كذاب، اما المغيرة بن سعيد فإنه يكذب على ابي- يعني أبا جعفر (عليه السلام)- قال: حدثه ان نساء آل محمد (صلى الله عليه و آله) إذا حضن قضين الصلاة. و كذب و الله ما كان من ذلك شيء و لا حدثه. و اما أبو الخطاب فكذب علي و قال: اني أمرته هو و أصحابه ان لا يصلي المغرب حتى يروا الكواكب.».


الحديث.


على ان مقتضى الحكمة الربانية و شفقة الأئمة (صلوات الله عليهم) على من في أصلاب الرجال من شيعتهم تمنع من ان يتركوهم هملا يمشون على غير طريق واضح و لا منار لائح، فلا يميزون لهم الغث من السمين. و لا يهدونهم إلى جادة الحق المبين.


و لا يوقفونهم على ما يقع في الشريعة من تغيير و تبديل. و ما يحدثه الكذابون المفترون من البدع و التضليل، كلا ثم كلا، بل اوضحوا الدين المبين نهاية الإيضاح. و صفوه من شوب كل كدر، حتى أسفر كضوء الصباح. الا ترى الى ما ورد عنهم من حثهم شيعتهم على الكتابة لما يسمعونه منهم. و أمرهم بحفظ الكتب لمن يأتي بعدهم. كما


(1) في أحوال المغيرة بن سعيد و كذا الخبر الآتي.

[صفحة 12]


ورد في جملة من الأخبار التي رواها ثقة الإسلام في جامعه الكافي و غيره في غيره.


و الى تحذيرهم الشيعة عن مداخلة كل من أظهر البدع و أمرهم بمجانبتهم، و تعريفهم لهم بأعيانهم، كما عرفت فيما تلونا من الاخبار.


و من ذلك ايضا ما خرج عن الأئمة المتأخرين (صلوات الله عليهم أجمعين) في لعن جماعة ممن كانوا كذلك، كفارس بن حاتم القزويني، و الحسن بن محمد بن بابا، و محمد بن نصير النميري، و ابي طاهر محمد بن علي بن بلال، و احمد بن هلال، و الحسين بن منصور الحلاج. و ابن ابي العزاقر، و ابي دلف، و جمع كثير ممن يتسمى بالشيعة. و يظهر المقالات الشنيعة من الغلو و الإباحات و التناسخ و نحوها، و قد خرجت في لعنهم التوقيعات عنهم (عليهم السلام) في جميع الأماكن و البراءة منهم.


و قد ذكر الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة جمعا من هؤلاء، و أورد الكشي اخبارا فيما أحدثوا. و ما خرج فيهم من التوقيعات لذلك، من أحب الوقوف عليها فليرجع اليه. و قد شدد أصحاب الأئمة (عليهم السلام) الأمر في ذلك، حتى ربما تجاوزوا المقام. حتى انهم كانوا يجانبون الرجل بمجرد التهمة بذلك، كما وقع لأحمد بن محمد ابن عيسى مع احمد بن محمد بن خالد البرقي من إخراجه من برقة قم لما طعن عليه القميون، ثم اعاده إليها لما ظهر له براءته. و مشى في جنازته حافيا إظهارا لنزاهته مما رمي به، و كما أخرج سهل بن زياد الأدمي. و أظهر البراءة منه و منع الناس من السماع عنه، و كما استثنى محمد بن الحسن بن الوليد جملة من الرواة، منهم جماعة ممن روى عنهم محمد بن احمد بن يحيى الأشعري و غيرهم، و قد عدوا جماعة من الرواة في الضعفاء. و نسبوهم الى الكذب و الافتراء. و منهم من خرجت التوقيعات فيه عنهم (عليهم السلام) و منهم من اطلعوا على حاله الموجب لضعفه، و منهم محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة. و محمد بن سنان. و يونس بن ظبيان. و يزيد الصائغ و غيرهم، و ذلك ظاهر لمن تصفح كتب


[صفحة 13]


الرجال و اطلع على ما فيها من الأحوال. و من الظاهر البين الظهور انه مع شهرة الأمر في هؤلاء المعدودين و أمثالهم، فإنه لا يعتمد أحد ممن اطلع على أحوالهم على رواياتهم، و لا يدونونها في أصولهم إلا مع اقترانها بما يوجب صحتها و يعلن بثبوتها (1) كما صرح


(1) و من ذلك ما ذكره (قده) في كتاب الغيبة، حيث نقل حديثا في الغيبة عن أحمد ابن زياد، ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من احمد بن زياد (رضى الله عنه) بعد انصرافه من حج بيت الله الحرام، و كان رجلا ثقة دينا فاضلا (رحمة الله و رضوانه عليه) انتهى.

(و منه) ايضا ما ذكره في الكتاب المذكور بعد نقل حديث عن علي بن عبد الله الوراق، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من علي بن عبد الله الوراق، و وجدته بخطه مثبتا فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله عن احمد بن إسحاق كما ذكرته. انتهى.


(و منه) ما ذكره في معاني الاخبار في باب معنى ما جاء في لعن الذهب و الفضة، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب: هذا حديث لم أسمعه إلا من الحسن بن حمزة العلوي (رضى الله عنه) و لم اروه عن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد، و لكنه صحيح عندي إلى آخر كلامه (و لا يخفى) على الفطن اللبيب و المنصف الأريب ان تخصيصه هذه الاخبار و نحوها مما ذكره يدل دلالة واضحة على ان ما لم يذكر فيه شيئا من ذلك كله مقطوع مجزوم على صحته كما لا يخفى.


و منه ما ذكره (قدس سره) في كتاب من لا يحضره الفقيه في باب ما يجب على من أفطر أو جامع في شهر رمضان، حيث


روى عن المفضل بن عمر عن ابى عبد الله (ع) في رجل أتى امرأته و هي صائمة و هو صائم. فقال: ان كان أكرهها فعليه كفارتان، و ان كانت طاوعته فعليه كفارة.


الحديث. ثم قال (قدس سره) قال مصنف هذا الكتاب: لم أجد ذلك في شيء من الأصول و انما تفرد بروايته علي بن إبراهيم بن هاشم. و فيه كما ترى دلالة واضحة على ان جميع ما يرويه في هذا المقام و غيره انما هو من الأصول المقطوع على صحتها عنده، كما صرح به في أول الفقيه، و انه إذا نقل ما ليس كذلك نبه على ان الراوي له ثقة معتمد، فكيف بعد أمثال هذا الكلام الذي لا يليق بأمثاله من أولئك الأعلام خلط الغث بالسمين حتى يحتاج الى ما ذكروه من هذا الاصطلاح العديم الاصطلاح (منه (رحمه الله).


[صفحة 14]


به شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين، و قد نقل الصدوق (قدس سره) في كتاب عيون أخبار الرضا حديثا في سنده (محمد بن عبد الله المسمعي)، ثم قال بعد تمام الحديث ما هذا لفظه: قال مصنف هذا الكتاب: كان شيخنا (محمد بن الحسن ابن الوليد) سيء الرأي في (محمد بن عبد الله المسمعي) راوي هذا الحديث، و انما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لانه كان في كتاب الرحمة و قد قرأته عليه فلم ينكره و رواه لي، انتهى. أقول: و كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله. فانظر إلى شدة احتياطهم و تورعهم في عدم نقل ما لا يثقون به إلا مع انضمام القرائن الموجبة لصحته و ثبوته.


و بالجملة: فالخوض في كتب الرجال- و النظر في مصنفات المتقدمين و الاطلاع على سيرتهم و طريقتهم- يفيد الجزم بما قلنا، و اما من أخذ بظاهر المشهور من غير تدبر لما هو ثمة مذكور فهو فيما ذهب اليه معذور. و كل ميسر لما خلق له، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.


المقدمة الثانية


قد صرح جملة من أصحابنا المتأخرين بأن الأصل في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة المشهورة هو العلامة أو شيخه جمال الدين بن طاوس نور الله تعالى مرقديهما، و اما المتقدمون فالصحيح عندهم هو ما اعتضد بما يوجب الاعتماد عليه من القرائن و الأمارات التي ذكرها الشيخ (قدس سره) في كتاب العدة. و على هذا جرى جملة من أصحابنا المحدثين و طائفة من متأخري متأخري المجتهدين كشيخنا المجلسي (رحمه الله) و جمع ممن تأخر عنه. و قد اتسع خرق الخلاف بين المجتهدين من أصحابنا و الأخباريين في جمل عديدة من مسائل الأصول التي تبنى عليها الفروع الفقهية، و بسط كل من علماء الطرفين لسان التشنيع على الآخر، و الحق الحقيق بالاتباع ما سلكه طائفة من


[صفحة 15]


متأخري المتأخرين كشيخنا المجلسي (طاب ثراه) و طائفة ممن أخذ عنه. فإنهم سلكوا من طرق الخلاف بين ذينك الفريقين طريقا وسطى بين القولين و نجدا أوضح من ذينك النجدين


و (خير الأمور أوسطها).


و نحن قد بسطنا الكلام في إيضاح هذا المرام في جملة من مؤلفاتنا و لا سيما كتاب المسائل، فإنا قد أعطينا المسألة حقها من الدلائل، و لا بأس بذكر طرف من ذلك في هذا الكتاب، حيث انا قد قصدنا فيه ضرب الصفح غالبا عن الكلام في أسانيد الأخبار و الطعن فيها بذلك. فربما يظن الناظر الغير العالم بطريقتنا ان ذلك عن عجز أو غفلة أو نحو ذلك، فرأينا أن نبين هنا ان ذلك إنما هو من حيث ثبوت صحة تلك الاخبار عندنا و الوثوق بورودها عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم).


فنقول: قد صرح شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين و قبله المحقق الشيخ حسن (أعلى الله رتبتهما) في مقدمات كتاب المنتقى بما ملخصه: ان السبب- الداعي إلى تقرير هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة- هو انه لما طالت المدة بينهم و بين الصدر الأول و بعدت عليهم الشقة و خفيت عليهم تلك القرائن التي أوجبت صحة الأخبار عند المتقدمين. و ضاق عليهم ما كان متسعا على غيرهم، التجأوا الى العمل بالظن بعد فقد العلم، لكونه أقرب مجازا إلى الحقيقة عند تعذرها، و بسبب التباس الأخبار غثها بسمينها و صحيحها بسقيمها التجأوا الى هذا الاصطلاح الجديد. و قربوا لنا البعيد، و نوعوا الحديث إلى الأنواع الأربعة. و زاد في كتاب مشرق الشمسين: انهم ربما سلكوا طريقة القدماء في بعض الأحيان، ثم عد (قدس سره) مواضع من ذلك. هذا خلاصة ما ذكروا في تعليل ذلك، و نحن نقول: لنا على بطلان هذا الاصطلاح و صحة أخبارنا وجوه.


(الأول) ما قد عرفت في المقدمة الاولى من أن منشأ الاختلاف في أخبارنا إنما هو التقية من ذوي الخلاف لا من دس الاخبار المكذوبة حتى يحتاج الى هذا


[صفحة 16]


الاصطلاح. على انه متى كان السبب الداعي إنما هو دس الأحاديث المكذوبة كما توهموه (رضوان الله عليهم) ففيه انه لا ضرورة تلجئ الى اصطلاحهم، لأنهم (عليهم السلام) قد امرونا بعرض ما شك فيه من الاخبار على الكتاب و السنة فيؤخذ بما وافقهما و يطرح ما خالفهما، فالواجب في تمييز الخبر الصادق من الكاذب مراعاة ذلك، و فيه غنية عما تكلفوه، و لا ريب ان اتباع الأئمة (عليهم السلام) اولى من أتباعهم.


(الثاني) ان التوثيق و الجرح الذي بنوا عليه تنويع الاخبار إنما أخذوه من كلام القدماء، و كذلك الأخبار التي رويت في أحوال الرواة من المدح و الذم إنما أخذوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الاخبار و اعتمدوه و ضمنوا صحته كما صرح به جملة منهم، كما لا يخفى على من لاحظ ديباجتي الكافي و الفقيه و كلام الشيخ في العدة و كتابي الأخبار فإن كانوا ثقاتا عدولا في الاخبار بما أخبروا به ففي الجميع، و إلا فالواجب تحصيل الجرح و التعديل من غير كتبهم و أنى لهم به (لا يقال) (1) إن أخبارهم بصحة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل على الظن القوي باستفاضة أو شياع أو شهرة معتد بها أو قرينة أو نحو ذلك مما يخرجه عن محوضة الظن (لأنا نقول) فيه (أولا) ان أصحاب هذا الاصطلاح مصرحون بكون مفاد الاخبار عند المتقدمين هو القطع و اليقين و انهم إنما عدلوا عنه الى الظن لعدم تيسر ذلك لهم كما صرح به في المنتقى و مشرق الشمسين


(1) هذا أحد الأجوبة التي أجابوا بها فيما ذكرنا، صرح به شيخنا أبو الحسن (قده) في كتاب العشرة الكاملة، حيث انه في الكتاب المذكور كان شديد التعصب لهذا الاصطلاح و ترويج القول بالاجتهاد، الا ان مصنفاته الأخيرة تدل على عدوله عن ذلك و ميله الى العمل بالاخبار، و ان كان دون طريقة الأخباريين بل من الجادة الوسطى التي قدمنا الإشارة إليها (منه (رحمه الله).

[صفحة 17]


(و اما ثانيا) فلما تضمنته تلك العبارات مما هو صريح في صحة الاخبار بمعنى القطع و اليقين بثبوتها عن المعصومين (فان قيل) تصحيح ما حكموا بصحته أمر اجتهادي لا يجب تقليدهم فيه، و نقلهم المدح و الذم رواية يعتمد عليهم فيها (قلنا) فيه ان أخبارهم بكون الراوي ثقة أو كذابا أو نحو ذلك إنما هو أمر اجتهادي استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضا.


(الثالث)- تصريح جملة- من العلماء الاعلام و أساطين الإسلام و من هم المعتمد في النقض و الإبرام من متقدمي الأصحاب و من متأخريهم الذين هم أصحاب هذا الاصطلاح أيضا- بصحة هذه الأخبار و ثبوتها عن الأئمة الأبرار، لكنا نقتصر على ما ذكره أرباب هذا الاصطلاح في المقام، فإنه أقوى حجة في مقام النقض و الإلزام.


فمن ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد (نور الله مضجعه) في الذكرى في الاستدلال على وجوب اتباع مذهب الإمامية، حيث قال ما حاصله: انه كتب من أجوبة مسائل أبي عبد الله (عليه السلام) أربعمائة مصنف لاربعمائة مصنف. و دون من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق و الحجاز و خراسان و الشام. و كذلك عن مولانا الباقر (ع)، و رجال باقي الأئمة (ع) معروفون مشهورون أولوا مصنفات مشتهرة، فالإنصاف يقتضي الجزم بنسبة ما نقل عنهم إليهم، الى أن قال بعد عد جملة من كتب الاخبار و غيرها مما يطول تعداده بالأسانيد الصحيحة المتصلة المنتقدة و الحسان و القوية: فالإنكار بعد ذلك مكابرة محضة و تعصب صرف. ثم قال: (لا يقال) فمن اين وقع الاختلاف العظيم بين فقهاء الإمامية إذا كان نقلهم عن المعصومين (ع) و فتواهم عن المطهرين (ع)؟ (لأنا نقول) محل الخلاف اما من المسائل المنصوصة أو مما فرعه العلماء، و السبب في الثاني اختلاف الأنظار و مبادئها كما هو بين سائر علماء الأمة، و اما الأول فسببه اختلاف الروايات ظاهرا، و قلما يوجد فيها التناقض بجميع شروطه، و قد كانت الأئمة (ع) في زمن تقية و استتار من مخالفيهم. فكثيرا ما يجيبون


[صفحة 18]


السائل على وفق معتقده أو معتقد بعض الحاضرين أو بعض من عساه يصل اليه من المناوئين، أو يكون عاما مقصورا على سببه أو قضية في واقعة مختصة بها أو اشتباها على بعض النقلة عنهم أو عن الوسائط بيننا و بينهم (عليهم السلام). انتهى.


و لعمري انه كلام نفيس يستحق ان يكتب بالنور على وجنات الحور، و يجب ان يسطر و لو بالخناجر على الحناجر. فانظر الى تصريحه بل جزمه بصحة تلك الروايات التي تضمنتها هذه الكتب التي بأيدينا، و تخلصه من الاختلاف الواقع بين الاخبار بوجوه تنفي احتمال تطرق دخول الأحاديث الكاذبة في أخبارنا.


و من ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (أعلى الله تعالى رتبته) في شرح الدراية، حيث قال: «كان قد استقر أمر الإمامية على أربعمائة مصنف سموها أصولا فكان عليها اعتمادهم، تداعت (1) الحال الى ذهاب معظم تلك الأصول، و لخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول. و أحسن ما جمع منها: الكافي. و التهذيب.


و الاستبصار. و من لا يحضره الفقيه».


فانظر الى شهادته (قدس سره) بكون أحاديث كتبنا هي أحاديث تلك الأصول بعينها (2) و حينئذ فالطاعن في هذه كالطاعن في تلك الأصول. ثم ان الظاهر ان تخصيصه هذه الكتب الأربعة بالأحسنية إنما هو من حيث اشتمالها على أبواب الفقه


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة و المخطوطة، و في المطبوع من شرح الدراية (ثم تداعت).

(2) و يؤيد ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (قدس سره) في أول كتاب مشرق الشمسين، حيث عد من جملة الأمور الموجبة للقطع بصحة الأخبار عند المتقدمين وجودها في كثير من الأصول الأربعمائة المتصلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام)، قال: و كانت متداولة بينهم في تلك الأعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار. انتهى.

(منه (رحمه الله).


[صفحة 19]


كملا على الترتيب بخلاف غيرها من كتب الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. و لا يتوهم- من ظاهر قوله: تداعت الحال الى ذهاب معظم تلك الأصول و لخصها الى آخره- ان تلخيص تلك الجماعة لها إنما وقع بعد ذهاب معظمها، فان ذلك باطل (أما أولا) فلأن التلخيص وقع عطفه في كلامه بالواو، دون- ثم- المفيدة للترتيب. (و اما ثانيا) فلان الظاهر- كما صرح به بعض فضلائنا- إن اضمحلال تلك الأصول إنما وقع بسبب الاستغناء عنها بهذه الكتب التي دونها أصحاب الأخبار، لكونها أحسن منها جمعا و أسهل تناولا. و إلا فتلك الأصول قد بقيت الى زمن ابن طاوس (رضي الله عنه)، كما ذكر ان أكثر تلك الكتب كان عنده و نقل منها شيئا كثيرا كما يشهد به تتبع مصنفاته. و بذلك يشهد كلام ابن إدريس في آخر كتاب السرائر. حيث انه نقل ما استطرفه من جملة منها شطرا وافرا من الاخبار. و بالجملة: فاشتهار تلك الأصول في زمن أولئك الفحول لا ينكره إلا معاند جهول.


و من ذلك ما صرح به المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني. حيث قال في بحث الإجازة من المعالم ما صورته: «ان أثر الإجازة بالنسبة إلى العمل انما يظهر حيث لا يكون متعلقا معلوما بالتواتر و نحوه ككتب أخبارنا. فإنها متواترة إجمالا، و العلم بصحة مضامينها تفصيلا يستفاد من قرائن الأحوال و لا مدخل للإجازة فيه غالبا».


و من ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (نور الله مضجعه) في وجيزته، حيث قال: «جميع أحاديثنا- إلا ما ندر- ينتهي إلى أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) و هم ينتهون فيها إلى النبي (صلى الله عليه و آله) الى أن قال: و كان قد جمع قدماء محدثينا ما وصل إليهم من كلام أئمتنا (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب تسمى (الأصول) ثم


[صفحة 20]


تصدى جماعة من المتأخرين (شكر الله سعيهم) لجمع تلك الكتب و ترتيبها تقليلا للانتشار و تسهيلا على طالبي تلك الاخبار، فالفوا كتبا مضبوطة مهذبة مشتملة على الأسانيد المتصلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام) كالكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التهذيب، و الاستبصار. و مدينة العلم، و الخصال. و الأمالي. و عيون الاخبار، و غيرها».


هذا ما حضرني من كلامهم (نور الله تعالى مراقدهم)، و اما كلام المتقدمين، كالصدوق في الفقيه، و ثقة الإسلام في الكافي، و الشيخ الطوسي في جملة من مؤلفاته، و علم الهدى و غيرهم ممن نقلنا كلامهم في غير هذا الكتاب، فهو ظاهر البيان ساطع البرهان في هذا الشأن.


ثم العجب من هؤلاء الفضلاء الذين نقلنا كلامهم هنا انه إذا كان الحال على ما صرحت به عبائرهم من صحة هذه الاخبار عن الأئمة (عليهم السلام) فما الموجب لهم إلى المتابعة في هذا الاصطلاح الحادث؟ و أعجب من ذلك كلام شيخنا البهائي (ره) في كتاب مشرق الشمسين، حيث ذكر ما ملخصه: ان اجتناب الشيعة لمن كان منهم ثم أنكر إمامة بعض الأئمة (عليهم السلام) كان أشد من اجتناب المخالفين في أصل المذهب. و كانوا يتحرزون عن مجالستهم و التكلم معهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم، فإذا نقل علماؤنا رواية رواها رجل من ثقات أصحابنا عن أحد هؤلاء و عولوا عليها و قالوا بصحتها مع علمهم بحاله. فقبولهم لها و قولهم بصحتها لا بد من ابتنائه على وجه صحيح لا يتطرق اليه القدح، و لا الى ذلك الرجل الثقة الراوي عمن هذا حاله، كأن يكون سماعه منه قبل عدوله عن الحق و قوله بالوقف، أو بعد توبته و رجوعه إلى الحق، أو ان النقل إنما وقع من أصله الذي ألفه و اشتهر عنه قبل الوقف، أو من كتابه الذي ألفه بعد الوقف و لكنه أخذ ذلك الكتاب عن شيوخ أصحابنا الذين عليهم الاعتماد ككتب علي بن الحسن الطاطري، فإنه و ان كان من أشد الواقفية عنادا للإمامية إلا أن


[صفحة 21]


الشيخ شهد له في الفهرست بأنه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم و بروايتهم. الى غير ذلك من المحامل الصحيحة، إلى آخر كلامه (طاب ثراه).


و لقد أجاد فيما أفاد و لكنه ناقض نفسه فيما أورده من العذر للمتأخرين في عدولهم الى تجديد هذا الاصطلاح، لأن قوله-: كانوا يتحرزون عن مجالستهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم. و قوله: فقبولهم لها و قولهم بصحتها لا بد من ابتنائه على وجه صحيح- يستلزم أن تكون أحاديث كتب هؤلاء الأئمة الثلاثة الذين شهدوا بصحة ما رووه فيها كلها صحيحة.


(الرابع)- انه لو تم ما ذكروه و صح ما قرروه للزم فساد الشريعة و إبطال الدين، لأنه متى اقتصر في العمل على هذا القسم الصحيح أو مع الحسن خاصة أو بإضافة الموثق ايضا و رمي بقسم الضعيف باصطلاحهم من البين و الحال ان جل الاخبار من هذا القسم كما لا يخفى على من طالع كتاب الكافي أصولا و فروعا و كذا غيره من سائر كتب الاخبار و سائر الكتب الخالية من الأسانيد. لزم ما ذكرنا و توجه ما طعن به علينا العامة من ان جل أحاديث شريعتنا مكذوبة مزورة، و لذا ترى شيخنا الشهيد في الذكرى كيف تخلص من ذلك بما قدمنا نقله عنه دفعا لما طعنوا به علينا و نسبوه إلينا.


و لله در المحقق (ره) في المعتبر حيث قال: أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر و ما فطنوا الى ما تحته من التناقض.


فان من جملة الأخبار قول النبي (صلى الله عليه و آله): «ستكثر بعدي القالة».


الى أن قبل: و اقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال: كل سليم السند يعمل به. و ما علم ان الكاذب قد يصدق و الفاسق قد يصدق و لم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة و قدح في المذهب. إذ لا مصنف إلا و هو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، الى أن قال: و كل هذه الأقوال منحرفة عن السنن. و التوسط أقرب، فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن


[صفحة 22]


على صحته عمل به و ما أعرض الأصحاب عنه أو شذ يجب إطراحه. انتهى. و هو قوي متين بل جوهر ثمين.


(الخامس)- ان ما اعتمدوه من ذلك الاصطلاح غير منضبط القواعد و البنيان و لا مشيد الجوانب و الأركان (أما أولا) فلاعتمادهم في التمييز بين أسماء الرواة المشتركة على الأوصاف و الألقاب و النسب و الراوي و المروي عنه و نحوها، و لم لا يجوز اشتراك هذه الأشياء؟ و ذلك، لان الرواة عنهم (عليهم السلام) ليسوا محصورين في عدد مخصوص و لا في بلدة واحدة، و قد نقل الشيخ المفيد (ره) في إرشاده:


ان الذين رووا عن الصادق (ع) خاصة من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات كانوا أربعة آلاف رجل. و نحو ذلك ذكر ابن شهرآشوب في كتاب معالم العلماء.


و الطبرسي في كتاب اعلام الورى، و الجميع قد وصفوا هؤلاء الأربعة آلاف بالتوثيق و هو مؤيد لما ادعيناه و مشيد لما أسسناه، فإذا كان هؤلاء الرواة عن الصادق (عليه السلام) خاصة فما بالك بالرواة عن الباقر إلى العسكري (عليهم السلام)؟ فأين تأثير القرائن في هذه الاعداد؟ و اين الوصول الى تشخيص المطلوب منها و المراد؟ (و اما ثانيا) فلان مبنى تصحيح الحديث عندهم على نقل توثيق رجاله في أحد كتب المتقدمين. ككتاب الكشي. و النجاشي. و الفهرست، و الخلاصة. و نحوها، نظرا الى ان نقلهم ذلك شهادة منهم بالتوثيق، حتى ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى لم يكتف في تعديل الراوي بنقل واحد من هؤلاء بل أوجب في تصحيح الحديث نقل اثنين منهم لعدالة الراوي، نظرا إلى انها شهادة فلا يكفي فيها الواحد.


و أنت خبير بما بين مصنفي تلك الكتب و بين رواة الاخبار من المدة و الأزمنة المتطاولة فكيف اطلعوا على أحوالهم الموجب للشهادة بالعدالة أو الفسق؟ و الاطلاع على ذلك- بنقل ناقل أو شهرة أو قرينة حال أو نحو ذلك كما هو معتمد مصنفي تلك الكتب في الواقع- لا يسمى شهادة. و هم قد اعتمدوا على ذلك و سموه شهادة، و هب


[صفحة 23]


ان ذلك كاف في الشهادة، لكن لا بد في العمل بالشهادة من السماع من الشاهد لا بمجرد نقله في كتابه، فإنه لا يكفي في كونه شهادة، هب انا سلمنا الاكتفاء به في ذلك. فما الفرق بين هذا النقل في هذه الكتب و بين نقل أولئك- الأجلاء الذين هم أساطين المذهب- صحة كتبهم و انها مأخوذة عن الصادقين (عليهم السلام)؟ فيعتمد عليهم في أحدهما دون الآخر (و اما ثالثا) فلمخالفتهم أنفسهم فيما قرروه من ذلك الاصطلاح فحكموا بصحة أحاديث هي باصطلاحهم ضعيفة كمراسيل ابن ابي عمير، و صفوان بن يحيى، و غيرهما.


زعما منهم ان هؤلاء لا يرسلون إلا عن ثقة. و مثل أحاديث جملة من مشايخ الإجازة لم يذكروا في كتب الرجال بمدح و لا قدح. مثل احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، و احمد بن محمد بن يحيى العطار، و الحسين بن الحسن بن ابان، و ابي الحسين ابن ابي جيد. و أضرابهم. زعما منهم ان هؤلاء مشايخ الإجازة و هم مستغنون عن التوثيق.


و أمثال ذلك كثير يظهر للمتتبع (و اما رابعا) فلاضطراب كلامهم في الجرح و التعديل على وجه لا يقبل الجمع و التأويل، فترى الواحد منهم يخالف نفسه فضلا عن غيره، فهذا يقدم الجرح على التعديل، و هذا يقول لا يقدم إلا مع عدم إمكان الجمع، و هذا يقدم النجاشي على الشيخ، و هذا ينازعه و يطالبه بالدليل. و بالجملة: فالخائض في الفن يجزم بصحة ما ادعيناه، و البناء من أصله لما كان على غير أساس كثر الانتقاض فيه و الالتباس.


(السادس)- ان أصحاب هذا الاصطلاح قد اتفقوا على ان مورد التقسيم إلى الأنواع الأربعة إنما هو خبر الواحد العاري عن القرائن. و قد عرفت- من كلام أولئك الفضلاء المتقدم نقل كلامهم، و بذلك صرح غيرهم ايضا- ان اخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن الدالة على صحتها. و حينئذ يظهر عدم وجود مورد التقسيم المذكور في اخبار هذه الكتب. و قد ذكر صاحب المنتقى: ان أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها


[صفحة 24]


في أحاديثهم و انه لا وجود لأكثرها في أحاديثنا. و أنت إذا تأملت بعين الحق و اليقين وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل. الى غير ذلك من الوجوه (1) التي انهيناها في كتاب المسائل إلى اثني عشر وجها، و طالب الحق المصنف تكفيه الإشارة و المكابر المتعسف لا ينتفع و لو بألف عبارة.


(1) و منها- ان التعديل و الجرح موقوف على معرفة ما يوجب الجرح و منه الكبائر.

و قد اختلفوا فيها اختلافا شديدا، فلا يمكن الاعتماد على تعديل المعدل و جرحه إلا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل، و هذا العلم مما لا يمكن أصلا، إذ المعدلون و الجارحون من علماء الرجال ليس مذهبهم في عدد الكبائر معلوما، قال شيخنا البهائي (قدس سره) على ما نقل عنه من المشكلات، انا لا نعلم مذهب الشيخ الطوسي في العدالة و انه يخالف مذهب العلامة، و كذا لا لعلم مذهب بقية أصحاب الرجال كالكشي و النجاشي، و غيرهم، ثم نقبل تعويل العلامة في التعديل على تعديل أولئك. و ايضا كثير من الرجال ينقل عنه انه كان على خلاف المذهب ثم رجع و حسن إيمانه، و القوم يجعلون روايته في الصحيح مع انهم غير عالمين بأن أداء الرواية متى وقع؟ بعد التوبة أم قبلها؟.


و هذان المشكلان لا اعلم ان أحدا قبل تنبه لشيء منهما. انتهى.


(و منها)- ان العدالة بمعنى الملكة المخصوصة عند المتأخرين مما لا يجوز إثباتها بالشهادة، لأن الشهادة و خبر الواحد ليس حجة إلا في المحسوسات لا فيما خفي كالعصمة فلا تقبل فيها الشهادة، فلا اعتماد على تعديل المعدلين بناء على اعتقاد المتأخرين. و هذا مما أورده المحدث الأمين (قدس سره) (و منها)- انه قد تقرر في محله ان شهادة فرع الفرع غير مسموعة، إذ لا يقبل إلا من شاهد الأصل أو شاهد الفرع خاصة، على ان شهادة علماء الرجال على أكثر المعدلين و المجروحين انما هو من شهادة فرع الفرع، فان الشيخ و النجاشي و نحوهما لم يلقوا أصحاب الباقر و الصادق (ع) فلا تكون شهادتهم إلا من قبيل شهادة فرع الفرع بمراتب كثيرة فكيف يجوز التعويل شرعا على شهادتهم ثم بالجرح و التعديل. و هذا ايضا مما أورده المحدث الأمين (قدس سره) الى غير ذلك من الوجوه التي لا يسع الإتيان عليها.


إلا ان المحقق المنصف تكفيه الإشارة و المعاند المتعسف لا ينتفع و لو بألف عبارة (منه ره).


[صفحة 25]


(تتمة مهمة)


قد اشتهر بين أكثر متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم) قصر العمل بالاخبار على ما في هذه الكتب الأربعة المشهورة، زعما منهم ان غيرها لم يبلغ في الضبط و الانتقاد على وجه يوجب الاعتماد على مثله. و قد علت- مما قدمنا من كلام شيخنا البهائي (رحمه الله) في الوجيزة، و مثله ايضا شيخنا الشهيد في الذكرى مما طويناه في أثناء كلامه المتقدم ذكره- عدم الانحصار في الكتب المشار إليها، و هو الحق الحقيق بالاتباع، قال السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مقدمات شرحه على التهذيب: «و الحق ان هذه الأصول الأربعة لم تستوف الأحكام كلها، بل قد وجدنا كثيرا من الأحكام في غيرها، مثل عيون أخبار الرضا. و الأمالي، و كتاب الاحتجاج، و نحوها. فينبغي مراجعة هذه الكتب و أخذ الأحكام منها و لا يقلد العلماء في فتاويهم، فإن أخذ الفتوى من دليلها هو الاجتهاد الحقيقي، و كم قد رأينا جماعة من العلماء ردوا على الفاضلين بعض فتاويهم لعدم الدليل فرأينا دلائل تلك الفتاوى في غير الأصول الأربعة، خصوصا كتاب الفقه الرضوي الذي اتي به من بلاد الهند في هذه الأعصار إلى أصفهان و هو الآن في خزانة شيخنا المجلسي، فإنه قد اشتمل على مدارك كثيرة للاحكام و قد خلت عنها هذه الأصول الأربعة و غيرها» انتهى كلامه زيد مقامه. و لقد أجاد فيما حرر و فصل و أشاد و طبق المفصل و عليه المعتمد و المعول.


و لقد وفق الله تعالى شيخنا غواص بحار الأنوار الى استخراج كنوز تلك الآثار فجمعها في جامعه المشهور ب(البحار) بعد التقاطها من جميع الأقطار، جزاه الله تعالى عن علماء الفرقة المحقة أفضل جزاء الأبرار. و قد جمع فيه أخبارا جمة من الأصول المندرسة و أظهر كنوزا من الأحكام كانت بمرور الأيام منطمسة. و من جملتها كتاب الفقه الرضوي الذي ذكره السيد المتقدم ذكره. قال شيخنا المشار إليه في مقدمات كتاب البحار


[صفحة 26]


في ضمن تعداد الكتب التي نقل منها ما لفظه: «كتاب فقه الرضا (عليه السلام) أخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين (طاب ثراه) بعد ما ورد أصفهان. قال:


قد اتفق في بعض سني مجاورتي ببيت الله الحرام ان أتاني جماعة من أهل قم حاجين.


و كان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا (عليه السلام). و سمعت الوالد (رحمه الله) انه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه (صلوات الله عليه) و كان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء. و قال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الإمام (عليه السلام) و أخذت الكتاب و كتبته و صححته. فأخذ والدي (قدس الله روحه) هذا الكتاب من السيد و استنسخه و صححه. و أكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه من غير سند و ما يذكره والده في رسالته اليه، و كثير من الأحكام- التي ذكرها أصحابنا و لا يعلم مستندها- مذكورة فيه كما ستعرف في أبواب العبادات» انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه.


أقول: و ما ذكره (قدس سره)- من مطابقة كلام الصدوق في الفقيه و والده في رسالته لما في الكتاب المذكور- قد وقفت عليه في غير موضع و سيمر بك ان شاء الله تعالى في كتابنا هذا، و قد اعتمدنا في الاستدلال في كتابنا هذا على ما اعتمده شيخنا المذكور من الكتب المعدودة في كتابه، و ستمر بك اخبارها في أثناء الأبحاث ان شاء الله تعالى.


المقدمة الثالثة


في مدارك الأحكام الشرعية، و هي عند الأصوليين أربعة: (الكتاب و السنة و الإجماع و دليل العقل) و حيث تقدم مجمل الكلام في السنة يبقى الكلام هنا في مقامات ثلاثة:


[صفحة 27]


(المقام الأول)- في الكتاب العزيز


، و لا خلاف بين أصحابنا الأصوليين في العمل به في الأحكام الشرعية و الاعتماد عليه حتى صنف جملة منهم كتبا في الآيات المتعلقة بالأحكام الفقهية و هي خمسمائة آية عندهم، و اما الأخباريون فالذي وقفنا عليه من كلام متأخريهم ما بين إفراط و تفريط. فمنهم من منع فهم شيء منه مطلقا حتى مثل قوله «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (1) إلا بتفسير من أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) و منهم من جوز ذلك حتى كاد يدعي المشاركة لأهل العصمة (عليهم السلام) في تأويل مشكلاته و حل مبهماته.


و التحقيق في المقام ان الأخبار متعارضة من الجانبين و متصادمة من الطرفين، إلا ان اخبار المنع (2) أكثر عددا و أصرح دلالة.


ففي جملة منها- قد ورد في تفسير قوله تعالى «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا الآية» (3)- دلالة على اختصاص ميراث الكتاب بهم (عليهم السلام) و جملة في تفسير قوله تعالى: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.» (4) بأن


(1) قال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قده) في بعض رسائله: انى كنت حاضرا في المسجد الجامع في شيراز، و كان الأستاذ المجتهد الشيخ جعفر البحراني و الشيخ المحدث صاحب جوامع الكلم يتناظران في هذه المسألة، فانجر الكلام ههنا حتى قال له الفاضل المجتهد: ما تقول في معنى «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» فهل يحتاج في فهم معناها الى الحديث؟ فقال:

نعم لا نعرف معنى الاحدية و لا الفرق بين الأحد و الواحد و نحو ذلك الا بذلك. انتهى.


(أقول): و نقل عن بعض المتحذلقين- ممن يدعى الانتظام في سلك الأخباريين- انه يمنع من اللباس على غير الهيئة التي كان عليها لباس الأئمة (عليهم السلام) و هو جهل محض (منه (قدس سره).


(2) قد عقد لها في الوسائل (الباب الثالث عشر) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء، و عنوانه (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة).

(3) سورة فاطر. آية 32.

(4) سورة العنكبوت. آية 49.

[صفحة 28]


المراد بهم الأئمة (صلوات الله عليهم)، و جملة في تفسير


«قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ» (1) قال: إيانا عنى.


و مثل ذلك في تفسير قوله سبحانه: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ.» (2). و كذا في تفسير قوله تعالى: «وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.» (3).


و في جملة من تلك الاخبار: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».


و في مناظرة الشامي لهشام بن الحكم بمحضر الصادق (عليه السلام) المروية في الكافي (4) و غيره: «قال هشام: فبعد رسول (صلى الله عليه و آله) من الحجة؟


قال الشامي: الكتاب و السنة. فقال هشام: فهل نفعنا الكتاب و السنة في رفع الاختلاف عنا؟ قال الشامي: نعم. قال هشام: فلم اختلفنا أنا و أنت و صرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك؟ فسكت الشامي. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي ما لك لا تتكلم؟ فقال الشامي: ان قلت لم نختلف كذبت و ان قلت ان الكتاب و السنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، الى ان قال الشامي: و الساعة من الحجة؟ فقال هشام: هذا القاعد الذي تشد اليه الرحال و يخبرنا باخبار السماء.» الحديث.


و لا يخفى ما فيه من الصراحة.


و في بعض آخر (5): «قال السائل: أو ما يكفيهم القرآن؟ قال (عليه السلام):


بلى لو وجدوا له مفسرا. قال: أو ما فسره رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال:


(1) سورة الرعد. آية 43.

(2) سورة الزخرف. آية 44.

(3) سورة آل عمران. آية 7.

(4) في باب (الاضطرار إلى الحجة) من كتاب الحجة.

(5) و هو خبر الحسن بن العباس بن جريش عن ابى جعفر الثاني (ع) المروي في الوسائل في باب «13» (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلخ) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

[صفحة 29]


بلى فسره لرجل واحد و فسر للأمة شأن ذلك الرجل.» الحديث.


و في آخر (1) «انما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم و لقوم يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلٰاوَتِهِ و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه. و اما غيرهم فما أشد إشكاله عليهم و أبعده من مذاهب قلوبهم، الى ان قال: و إنما أراد الله بتعميته في ذلك ان ينتهوا الى بابه و صراطه و يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه و الناطقين عن امره و ان يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم.». الحديث (2).


و يدل على ذلك الحديث المتواتر بين العامة و الخاصة (3)


من قوله (صلى الله عليه و آله) «اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».


فان الظاهر ان المراد من عدم افتراقهما إنما هو باعتبار الرجوع في معاني الكتاب إليهم (صلوات الله عليهم) و إلا لو تم فهمه كلا أو بعضا بالنسبة إلى الأحكام


(1) و هو خبر المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروي في الوسائل في باب «13» (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلخ) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(2) و من الاخبار في ذلك

ما رواه العياشي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:


«من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر و ان أخطأ خر أبعد من السماء».


و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر».


و عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».


و حمل الرأي- على الميل الطبيعي المرتب على الأغراض الفاسدة و المطالب الكاسدة كما ذكره بعضهم- بعيد كما أوضحناه في كتاب الدرر النجفية (منه (رحمه الله).


(3) و قال في الوسائل في باب 5 (تحريم الحكم بغير الكتاب و السنة و وجوب نقض الحكم مع ظهور الخطأ) من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء:

و قد تواتر بين العامة و الخاصة عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما ان تضلوا: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».


[صفحة 30]


الشرعية و المعارف الآلهية بدونهم لصدق الافتراق و لو في الجملة.


و يؤيد ذلك ايضا


قول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): «القرآن كتاب الله الصامت و أنا كتاب الله الناطق» (1).


فلو فهم معناه بدونه (عليه السلام) لم يكن لوصفه بكونه صامتا معنى (2).


و لا يخفى على الفطن المنصف صراحة هذه الأدلة في المدعى، و ظني ان ما يقابلها مع تسليم التكافؤ لا صراحة له في المعارضة.


فمن ذلك- الأخبار الواردة بعرض الحكم المختلفة فيه الأخبار على القرآن و الأخذ بما يوافقه و طرح ما يخالفه. و وجه الاستدلال انه لو لم يفهم منه شيء إلا بتفسيرهم (عليهم السلام) انتفى فائدة العرض. و الجواب انه لا منافاة، فإن تفسيرهم (عليهم السلام) إنما هو حكاية مراد الله تعالى فالأخذ بتفسيرهم أخذ بالكتاب، و اما ما لم يرد فيه تفسير عنهم (صلوات الله عليهم) فيجب التوقف فيه وقوفا على تلك الأخبار و تقييدا لهذه الاخبار بها.


و من ذلك الآيات، كقوله سبحانه: «وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ.» (3) و قوله: «مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ.» (4) و قوله:


(1) و قد رواه في الوسائل في الباب- 5- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء هكذا: «هذا كتاب الله الصامت و انا كتاب الله الناطق».

(2) و من ذلك ايضا ما ورد من ان القرآن مشتمل على الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و الخاص و العام و المطلق و المقيد و المجمل و المفصل و التقديم و التأخير و التغيير و التبديل، و استفادة الأحكام الشرعية من مثل ذلك لا يتيسر إلا للعالم بجميع ما هنالك و ليس إلا هم (عليهم السلام) خصوصا الآيات المتعلقة بالأحكام الشرعية، فإنها لا تخرج عن هذه الأقسام المذكورة (منه (قدس سره).

(3) سورة النحل. آية 89.

(4) سورة الانعام. آية 38.

[صفحة 31]


«لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ.» (1) و قوله: «أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا» (2).


و الجواب ان الآيتين الأوليين لا دلالة فيهما على أكثر من استكمال القرآن لجميع الأحكام و هو غير منكور، و أما كون فهم الأحكام مشتركا بين كافة الناس كما هو المطلوب بالاستدلال فلا، كيف؟ و جل آيات الكتاب سيما ما يتعلق بالفروع الشرعية كلها ما بين مجمل و مطلق و عام و متشابه لا يهتدى منه- مع قطع النظر عن السنة- إلى سبيل. و لا يركن منه الى دليل. بل قد ورد من استنباطهم (عليهم السلام) جملة من الأحكام من الآيات ما لا يجسر عليه سواهم و لا يهتدى إليه غيرهم، و هو مصداق ما تقدم من


قولهم: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».


كالأخبار الدالة على حكم الوصية بالجزء من المال، حيث فسره (عليهم السلام) بالعشر مستدلا بقوله سبحانه: «ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً.» (3) و كانت الجبال عشرة، و الوصية بالسهم. حيث فسره بالثمن لقوله سبحانه: «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ. الآية» (4) و النذر بمال كثير. حيث فسره (عليه السلام) بالثمانين لقوله تعالى: «فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ.» (5) و كانت ثمانين موطنا، و أمثال ذلك مما يطول به الكلام.


و اما الآية الثالثة فظاهر سياق ما قبلها و هو قوله: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.» يدل على كون المستنبطين هم الأئمة (عليهم السلام) و بذلك توافرت الأخبار عنهم (عليهم السلام)،


ففي الجوامع عن الباقر (عليهم السلام): «هم الأئمة المعصومون».


و العياشي عن الرضا (عليه السلام):


«يعني آل محمد و هم الذين يستنبطون من القرآن و يعرفون الحلال و الحرام».


و في الإكمال عن الباقر (عليه السلام) مثل ذلك. و قد تقدم في بعض الاخبار التي قدمناها ما يشعر


(1) سورة النساء. آية 83.

(2) سورة محمد (صلى الله عليه و آله). آية 24.

(3) سورة البقرة. آية 260.

(4) سورة التوبة. آية 60.

(5) سورة التوبة. آية 25.

[صفحة 32]


بذلك ايضا. و اما الآية الرابعة فانا- كما سيتضح لك- لا نمنع فهم شيء من القرآن بالكلية ليمتنع وجود مصداق الآية، فإن دلالة الآيات- على الوعد و الوعيد و الزجر لمن تعدى الحدود الإلهية و التهديد- ظاهر لامرية فيه، و هو المراد من التدبر في الآية كما ينادي عليه سياق الكلام.


و القول الفصل و المذهب الجزل في ذلك ما أفاده شيخ الطائفة (رضوان الله عليه) في كتاب التبيان و تلقاه بالقبول جملة من علمائنا الأعيان، حيث قال بعد نقل جملة من اخبار الطرفين ما ملخصه: و الذي نقول: ان معاني القرآن على أربعة أقسام:


(أحدها)- ما اختص الله تعالى بالعلم به. فلا يجوز لأحد تكلف القول فيه (و ثانيها)- ما يكون ظاهره مطابقا لمعناه فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه. مثل قوله: «وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ.» (1)


(و ثالثها)- ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا مثل قوله «أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ.» (2)


ثم ذكر جملة من الآيات التي من هذا القبيل و قال: انه لا يمكن استخراجها إلا ببيان من النبي (صلى الله عليه و آله) (و رابعها)- ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عليهما و يمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا. فإنه لا ينبغي ان يقدم أحد فيقول ان مراد الله بعض ما يحتمله إلا بقول نبي أو إمام معصوم، الى آخر كلامه «زيد في إكرامه» و عليه تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار. و يؤيده ما رواه (3) في الاحتجاج


(1) سورة الانعام. آية 151.

(2) سورة الانعام. آية 72.

(3) و منه

ما روى ان الحسن (عليه السلام) تلا قوله سبحانه: «وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ» فقال معاوية: اين قصة لحيتي و لحيتك في الكتاب. و قد كان الحسن (عليه السلام) حسن اللحية و كان معاوية قبيحها، فقال (عليه السلام): «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً».


و ما روى في حديث ابى الجارود قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله» ثم قال في بعض حديثه: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول الله! اين هذا من كتاب الله فقال: ان الله عز و جل يقول: «لٰا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلّٰا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلٰاحٍ بَيْنَ النّٰاسِ» و قال: «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً» و قال: «لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ».


(منه (قدس سره).


[صفحة 33]


عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) في حديث الزنديق الذي جاء اليه بآي من القرآن زاعما تناقضها. حيث قال (عليه السلام) في أثناء الحديث: «ان الله جل ذكره لسعة رحمته و رأفته بخلقه و علمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه قسم كلامه ثلاثة أقسام:


فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل. و قسما منه لا يعرفه إلا من صف ذهنه و لطف حسه و صح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام. و قسما لا يعرفه إلا الله و أنبياؤه و الراسخون في العلم، و إنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل المستولون على ميراث رسول الله (صلى الله عليه و آله) من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، و ليقودهم الاضطرار الى الائتمار لمن ولاه أمرهم. الى أن قال: فاما ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول الله (صلى الله عليه و آله) من كتاب الله. فهو قوله سبحانه: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ.» (2) و قوله: «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (3) و لهذه الآية ظاهر و باطن. فالظاهر هو قوله:


(صَلُّوا عَلَيْهِ) و الباطن (يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)* اي سلموا- لمن وصاه و استخلفه عليكم- فضله و ما عهد اليه تسليما. و هذا مما أخبرتك انه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه وصفا ذهنه و صح تمييزه، و كذلك قوله «سلام على آل يس» (4) لأن الله سمى النبي (صلى الله


(1) في احتجاجات أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2) سورة النساء. آية 80.

(3) سورة الأحزاب. آية 56.

(4) سورة الصافات. آية 130.

[صفحة 34]


عليه و آله) بهذا الاسم. حيث قال «يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» لعلمه انهم يسقطون «سلام على آل محمد» كما أسقطوا غيره. الحديث».


(أقول): و القسم الثاني من كلام الشيخ (قدس سره) هو الأول من كلامه (صلوات الله عليه) و هو الذي يعرفه الجاهل و العالم، و هو ما كان محكم الدلالة. و هذا مما لا ريب في صحة الاستدلال به و المانع مكابر. و القسم الرابع من كلامه (رضوان الله عليه) هو الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) و هو الذي لا يعرفه إلا من صفا ذهنه و لطف حسه، و الظاهر انه أشار بذلك إلى الأئمة (عليهم السلام)، فإنهم هم المتصفون بتلك الصفات على الحقيقة، و ان ادعى بعض من أشرنا إليه آنفا دخوله في ذلك، و الآيات- التي جعلها (عليه السلام) من هذا القسم- دليل على ذلك. فإنها كما أشار إليه (صلوات الله عليه) من التفسير الباطن الذي لا يمكن التهجم عليه إلا من جهتهم (لا يقال): انه يلزم اتحاد القسم الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) بما بعده. لكون القسم الثالث ايضا من المعلوم لهم (عليهم السلام) (لأنا نقول): الظاهر تخصيص القسم الثالث بعلم الشرائع الذي يحتاج الى توقيف، و انه لا يعلمه إلا هو (جل شأنه) أو أنبياؤه بالوحي إليهم و ان علمه الأئمة (عليهم السلام) بالوراثة من الأنبياء. بخلاف الثاني. فإنه مما يستخرجونه بصفاء جواهر أذهانهم و يستنبطونه بإشراق لوامع إفهامهم، و حينئذ فالقسم الثالث من كلام الشيخ (قدس سره) هو الثالث من كلامه (صلوات الله عليه) و لعل عدم ذكره (صلوات الله عليه) للقسم الأول من كلام الشيخ لقلة أفراده في القرآن المجيد إذ هو مخصوص بالخمسة المشهورة، أو أن الغرض التام إنما يتعلق بذكر الأقسام التي أخفاها (جل شأنه) عن تطرق تغيير المبدلين و ان ذكر معها القسم الأول استطرادا، و مرجع هذا الجمع الذي ذكره الشيخ (قدس سره) الى حمل أدلة الجواز على القسم الثاني من كلامه (طاب ثراه) و اخبار المنع على ما عداه. و اما ما يفهم من كلام المحدث الكاشاني (قدس سره)- في المقدمة الخامسة من كتاب الصافي من الجمع بين


[صفحة 35]


الاخبار بالحمل على تفاوت مراتب الناس في الاستعداد و الوصول الى تحصيل المقصود منه و المراد- فظني بعده عن سياق الأخبار. فإن أخبار المنع- كما عرفت من الشطر الذي قدمناه منها- قد دلت على الاختصاص بالأئمة (عليهم السلام). و ادعاء مزاحمتهم (صلوات الله عليهم) في تلك المرتبة يحتاج إلى جرأة عظيمة. و من أراد تحقيق الحال و الإحاطة بأطراف المقال فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية.


(المقام الثاني)- في الإجماع


. و مجمل الكلام فيه ما افاده المحقق (طاب ثراه) في المعتبر و اقتفاه فيه جمع ممن تأخر، قال (قدس سره): «و أما الإجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم. فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، و لو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (عليه السلام). فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الإجماع باتفاق الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهلة قول الباقين» انتهى. و حينئذ فالحجة هو قوله (عليه السلام) لا مجرد الاتفاق، فيرجع الكلام- على تقدير ثبوت الإجماع المذكور- الى خبر ينسب الى المعصوم (عليه السلام) إجمالا. و ترجيحه على الاخبار المنسوبة إليه تفصيلا غير معقول. و كأنهم زعموا ان انتسابه إليه في ضمن الإجماع قطعي و لا في ضمنه ظني. و هو ممنوع. على ان تحقق هذا الإجماع في زمن الغيبة متعذر. لتعذر ظهوره (عليه السلام) و عسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة أقوالهم. إلا أن ينقل ذلك بطريق التواتر و الآحاد المشابه له نقلا مستندا الى الحس، بمعاينة اعمال جميع من يتوقف انعقاد الإجماع عليه، أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول و العمل على نوع من التقية و نحوها.


و دونه خرط القتاد. لما يعلم يقينا من تشتت العلماء و تفرقهم في أقطار الأرض بل انزوائهم في بلدان المخالفين و حرصهم على ان لا يطلع أحد على عقائدهم و مذاهبهم.


و ما يقال- من انه إذا وقع إجماع الرعية على الباطل يجب على الامام ان يظهر


[صفحة 36]


و يباحثهم حتى يردهم إلى الحق لئلا يضل الناس، أو انه يجوز ان تكون هذه الأقوال- المنقولة في كتب الفقهاء التي لا يعرف قائلها- قولا للإمام (عليه السلام) ألقاه بين أقوال العلماء حتى لا يجتمعوا على الخطأ كما ذهب اليه بعض المتأخرين، حتى انه (قدس سره) كان يذهب الى اعتبار تلك الأقوال المجهولة القائل لذلك- فهو مما لا ينبغي ان يصغى اليه (1) و لا يعرج في مقام التحقيق عليه. و على هذا فليس في عد الإجماع في الأدلة إلا مجرد تكثير العدد و اطالة الطريق، لأنه ان علم دخوله (عليه السلام) فلا بحث و لا مشاحة في إطلاق اسم الإجماع عليه و إسناد الحجة اليه و لو تجوزا، و إلا فإن ظن و لو بمعاضدة خبر واحد فكذلك، و إلا فليس نقل الإجماع بمجرده موجبا لظن دخول المعصوم (عليه السلام) و لا كاشفا عنه كما ذكروه. نعم لو انحصر حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة في وقت ظهوره (عليه السلام) كما في وقت الأئمة الماضين (صلوات الله عليهم أجمعين) اتجه القول بالحجية. و يقرب منه ايضا ما لو أفتى- جماعة من الصدر الذي يقرب منهم كعصر الصدوق و ثقة الإسلام الكليني (عطر الله مرقدهما) و نحوهما من أرباب النصوص- بفتوى لم نقف فيها على خبر و لا مخالف منهم، فإنه أيضا مما يقطع بحسب العلم العادي فيها بالحجية و دخول قول المعصوم (عليه السلام) فيهم لوصول نص لهم في ذلك، و من هنا نقل جمع من أصحابنا


(1) اما الأول منهما فلما هو ظاهر لكل ناظر من تعطيل الأحكام جلها بل كلها في زمان الغيبة، و لا سيما في مثل زماننا هذا الذي قد انطمس فيه الدين، بل صار جملة اهله شبه المرتدين. و قد صار المعروف فيه منكرا و المنكر معروفا، و صارت الكبائر لهم ألفا مألوفا، و اما الثاني منهما فكيف يكفي في الحجية مجرد احتمال كون ذلك هو المعصوم؟

مع انهم في الاخبار يبالغون في تنقية أسانيدها و الطعن في رواتها، و لا يحتجون إلا بصحيح السند منها و لا يكتفون بمجرد الاحتمال هناك مع توفر القرائن على الصحة فكيف هنا؟ ما هذا إلا تخريص في الدين و جمود على مجرد التخمين. و هو مما قد نهت عنه سنة سيد المرسلين (منه (قدس سره).


[صفحة 37]


ان المتقدمين كانوا إذا اعوزتهم النصوص في المسألة يرجعون الى فتاوى علي بن الحسين ابن بابويه.


و ممن صرح بامتناع انعقاد الإجماع في زمن الغيبة المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، حيث قال: «الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا هذا و ما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل الى العلم بقول الامام (عليه السلام) كيف؟ و هو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين، ليدخل في جملتهم و يكون قوله مستورا بين أقوالهم، و هذا مما يقطع بانتفائه، فكل إجماع- يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ الى زماننا هذا و ليس مستندا الى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم- فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة.


و اما الزمان السابق على ما ذكرناه المقارب لعصر ظهور الأئمة (عليهم السلام) و إمكان العمل بأقوالهم، فيمكن فيه حصول الإجماع و العلم به بطريق التتبع و الى مثل هذا نظر بعض علماء أهل الخلاف، حيث قال: الإنصاف انه لا طريق إلى معرفة حصول الإجماع إلا في زمان الصحابة. حيث كان المؤمنون قليلين يمكن معرفتهم بأسرهم على التفصيل» انتهى كلام المحقق المذكور (منحه الله تعالى البهجة و السرور).


و التحقيق ان أساطين الإجماع كالشيخ و المرتضى و ابن إدريس و أضرابهم قد كفونا مؤنة القدح فيه و إبطاله بمناقضاتهم بعضهم بعضا في دعواه. بل مناقضة الواحد منهم نفسه في ذلك كما لا يخفى على المتتبع البصير. و لا ينبئك مثل خبير. و لقد كان عندي رسالة. الظاهر انها لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) كتبها في الإجماعات التي ناقض الشيخ فيها نفسه. و قد ذهبت في بعض الحوادث التي جرت على جزيرتنا البحرين.


(فان قيل): ان بعض الاخبار مما يدل على حجية الإجماع و اعتباره،


كمقبولة عمر


[صفحة 38]


ابن حنظلة (1) حيث قال السائل: «فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه؟ فقال (عليه السلام): ينظر الى ما كان- من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به- المجمع عليه أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه».


و ما رواه في الكافي في باب إبطال الرؤية (2) في الصحيح عن صفوان، قال: «سألني أبو قرة المحدث أن ادخله على ابي الحسن الرضا (عليه السلام) الى أن قال: فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، و ما اجمع عليه المسلمون انه لا يحاط به علما و لا تدركه الأبصار. الحديث».


و ما رواه في الكافي أيضا في الباب المذكور عن محمد بن عبيد. قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) اسأله عن الرؤية و ما ترويه العامة و الخاصة، و سألته ان يشرح لي ذلك. فكتب بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية. الحديث».


(فالجواب) عن ذلك ممكن إجمالا و تفصيلا. اما الأول فلأن المسألة من الأصول المنوطة بالقطع عندهم. و الاخبار المذكورة لا تخرج عن خبر الآحاد الذي قصاراه الظن عندهم فلا يتم الاستدلال. و اما الثاني فاما عن الخبر الأول (فأولا) ان غاية ما يستفاد منه كون الإجماع مرجحا لأحد الخبرين على الآخر عند التعارض و هو مما لا نزاع فيه.


انما النزاع في كونه دليلا مستقلا برأسه. و الخبر لا يدل عليه. (و ثانيا) فان ظاهره بل صريحه كون الإجماع في الرواية و هو مما لا نزاع فيه. لا في الفتوى كما هو المطلوب


(1) المروية في الوسائل في باب- 9- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء.

(2) من كتاب التوحيد.

[صفحة 39]


بالاستدلال. و اما عن الأخيرين فيمكن (أولا) الحمل على كون الاستدلال جدليا إلزاميا للخصم القائل بجواز الرؤية بالإجماع الذي يعتقد حجيته على ما ينافي مدعاه من جوازها. و (ثانيا) بأنه على تقدير دلالتهما على الحجية في الجملة فلا دلالة لهما على العموم في الأمور العقلية و النقلية، إذ متعلق الاستدلال هنا الأمور العقلية. و الجواب- بأنه لا قائل بالفرق- مردود بان اللازم من ذلك الاستدلال بفرع من فروع حجية الإجماع قبل ثبوت أصل حجيته. على ان المفهوم- من رسالة الصادق (عليه السلام) التي كتبها لشيعته و أمرهم بتعاهدها و العمل بما فيها المروية في روضة الكافي (1) بأسانيد ثلاثة- ان أصل الإجماع من مخترعات العامة و بدعهم،


قال (عليه السلام): «و قد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله تعالى رسوله يسعنا أن نأخذ ما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى أن قال (عليه السلام): فما أحد اجرأ على الله و لا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك و زعم ان ذلك يسعه. الحديث».


و بالجملة: فإنه لا شبهة و لا ريب في انه لا مستند لهذا الإجماع من كتاب و لا سنة. و إنما يجري ذلك على مذاق العامة و مخترعاتهم، و لكن جملة من أصحابنا قد تبعوهم فيه غفلة، كما جروا على جملة من أصولهم في مواضع عديدة مع مخالفتها لما هو المستفاد من الاخبار، كما سيظهر لك إن شاء الله في ضمن مباحث هذا الكتاب.


و قد نقل المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره)- عن بعض مشايخه في بيان وجه العذر لمشايخنا المتقدمين في اختلاف الإجماعات المنقولة عنهم- ما ملخصه:


أن الأصول التي كان عليها المدار و هي التي انتخبوا منها كتب الحديث المشهورة الآن كانت بأيديهم، و إنما حدث فيها التلف و الاضمحلال من زمان ابن إدريس لأسباب


(1) في أول الكتاب.

[صفحة 40]


ذكرها، و كانوا- بملاحظة ما اشتملت عليه جميعها أو أكثرها من الأحكام- يدعون عليه الإجماع. و ربما اختلفت الأخبار في ذلك الحكم بالتقية و عدمها و الجواز و الكراهة و نحوها، فيدعي كل منهم الإجماع على ما يؤدي إليه نظره و فهمه من تلك الأخبار بعد اشتمال أكثر تلك الأصول أو كلها على الأخبار المتعلقة بما يختاره و يؤدي إليه نظره.


(أقول): و عندي ان هذا الاحتمال ليس ببعيد، فان الظاهر ان مبدأ التفريع في الأحكام و الاستنباط إنما هو من زمن المرتضى و الشيخ (رضوان الله عليهما) فان كتب من تقدمهما من المشايخ إنما اشتملت على جمع الاخبار و تأليفها، و ان كان بعضها قد اشتمل على مذهب و اختيار في المسألة، فإنما يشار إليه في عنوان الأبواب و ينقل ما يخصه من الاخبار، كما لا يخفى على من لاحظ الكافي و الفقيه و نحوهما من كتب الصدوق و غيره و كذلك ايضا فتاويهم المحفوظة عنهم لا تخرج عن موارد الاخبار، و حينئذ فنقل الشيخ و السيد (قدس سرهما) إجماع الطائفة على الحكم مع كون عمل الطائفة إنما هو على ما ذكرنا من الأخبار و كونهما على اثر أولئك الجماعة الذين هذه طريقتهم من غير فاصلة، فكيف يصح حمل ما يدعونه من الإجماع على الإجماع في الفتوى و ان كان من غير خبر؟ بل الظاهر إنما هو الإجماع في الاخبار. الا ترى ان الشيخ في الخلاف و المرتضى في الانتصار إنما استندا في الاستدلال الى مجرد الإجماع و جعلوه هو المعتمد و المعتبر مع كون الأخبار بمرأى منهم و منظر، و ليس ذلك إلا لرجوعه إليها و كونه عبارة عن الإجماع فيها. و هذا أحد الوجوه التي اعتذر بها شيخنا الشهيد في الذكرى عن اختلافهم في تلك الإجماعات. و هو أظهرها و ان جعله آخرها.


(المقام الثالث)- في دليل العقل


، و فسره بعض بالبراءة الأصلية و الاستصحاب، و آخرون قصروه على الثاني، و ثالث فسره بلحن الخطاب و فحوى الخطاب و دليل الخطاب، و رابع بعد البراءة الأصلية و الاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج


التالي الأصلية 40داخلي 40/528 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...